على البعثة الرسمية، يقول التقرير السنوي عن اتحاد الجامعات الأميركية حول خريطة الطلاب الأجانب أن السعوديين يشكلون في العام 2012 ثاني أكبر جالية أجنبية بعد الصين متجاوزين نسب الهند واليابان في عام واحد. وبالطبع يتحدث التقرير فقط عن الطلاب الوافدين بتأشيرة دراسية منفردة للأجانب الذين تدفع لهم حكوماتهم أو مؤسساتها العامة أو الخاصة رسوم الدراسة والإقامة. ولأنه على بعد آلاف الأميال، بقي الدكتور محمد العيسى، ملحقنا الثقافي، بعيدا عن العين وعن الإعلام رغم أنه المسؤول الأول عن أكبر جالية سعودية خارج الحدود، ورغم أنه المسؤول الذي يدير اليوم أكبر جامعة سعودية على الإطلاق بتسعين ألف جواز سفر، ينتشرون اليوم على الأرض الأميركية. وفي جامعة محمد العيسى، فإن لكل فرد من أبناء هذه الجالية قصته الفردية التي تجعل من مهمته انتحارا في التصدي للمسؤولية التي تختلف جذريا عن مهمة مديري جامعات الداخل. كل مبتعث له قصة قبول وتسجيل وجامعة ومدينة وراتب آخر الشهر وحقوق إقامة وعلاج وأوامر سفر وإشراف دراسي، يتابع الفرد بالحالة لا بالمجموع، كما يحدث لطلابنا في جامعات الداخل. وبالتجربة التي عشتها طويلا مع الابتعاث، فإن الطالب يحتاج ملحقه الثقافي بمعدل اتصالين في الشهر وعدة خطابات رسمية في العام مع الطالب أو مع جامعته، ناهيك عن أن الطلاب المتعثرين، وهم بالآلاف، يشكلون صراعا إداريا هائلا يستنزف طاقات الإشراف الدراسي لأسابيع حتى حلول المشكلة. وكي تتفهم حجم المهمة، فإن لك أن تتخيل مسؤوليتك عن 90 ألف شاب سعودي من المبتعثين ومرافقيهم بإدارة الحالة المستقلة لقصة كل فرد لا بالتعامل مع المجموع أو الفريق.

مسؤولية تتشابك مع ألف مدينة وخمسين ولاية وما لا يقل عن 300 جامعة وما يزيد عن عشرين ناديا للطلاب، وفوق هذا يكمن ما هو أهم: قصص الحياة الفردية من الناحية الاجتماعية والقانونية، فبعض سفرائنا للأسف الشديد يهرب من قصص صغيرة في طبيعة عمله مع مشاكل بعض مواطنينا البسيطة في مكان عمله. ولو كان السفراء قبيلة لاخترت هذا الرجل أن يكون شيخ مشايخ السفراء، ولو أن المسؤولين كتيبة عسكرية لبنيت له (نصب الجندي المجهول) لأنه انتحر في مهمة قاتلة. لم أقابله في حياتي أبدا ولكن كي يعرف الكل أننا نقول أحسنت لمن أحسن.