سأدخل إلى عمق الفكرة والمُعدة كمذكرات "ثمينة" قدمها وزير التربية والتعليم الأسبق الدكتور محمد الرشيد، الوزير الأكثر جدلاً بين مؤيديه ومخالفيه، وصاحب الحقبة والحقيبة الأكثر حراكاً (تربوياً) متميزاً على خارطة تاريخ التعليم في وطني، رغم ما واجهها من معوقات بدأت من ميزانية مادية ضعيفة، طبعا إذا استبعدنا قضية مستويات المعلمين ودرجاتهم، لأنها كانت قضية (إدارية) بحتة يشترك فيها ملف "السعودة" حينها مع عدة وزارات أخرى، أما المنعطف الأكبر فكان في صراعات علنية أو خفية من داخل وزارته وخارجها!
سأعود لمذكرات هذا الوزير (التربوي) ذي الطرح الأنيق والتي قدمها كورقة عمل الأسبوع الماضي في الجمعية السعودية للعلوم التربوية والنفسية (جستن) والتي نقلت تفاصيلها صحيفة "الشرق"؛ تلك المذكرات كانت حقائق من ملفات ما تبقى من حقيبته.. سأطرحها هنا لأنها تستحق الطرح والوقوف عليها، وعن أبرزها فكان يتجه نحو مخرجات مناهج الدين في مدارسنا والتي ذكر بأنها تحتاج إلى تحديث مستمر، لأنها لم تصنع شباباً متدينا، ولا تربي النشء، وتنزل بمستوى عقولهم، كما تسببت في ضياع القيم الإسلامية!
كما ذكر: "نحن لا نلقى من العنت ما نلقاه في (عملية) تطوير مناهج الدين، فخلال عملي عشر سنوات، كوزير للتعليم، كافحت وقاتلت من أجل أن أحذف مقولة إن الصورة الفوتوجرافية حرام شرعاً".
وعن أولى خطوات التطوير التي بدأت وهو لا يزال على رأس العمل في الوزارة، حيث تم إعداد ورقة "مناهج التربية الدينية والحاجة إلى تطويرها"، وهي ورقة أولية "سرية"، تم عرضها على مسؤولين كبار، ومفتي المملكة، آنذك، الشيخ عبدالعزيز بن باز، رحمه الله, الذي أشاد بها، وقال: "إنها حقاً مناسبة".
ووضح أن ابن باز كذلك رشح له: "ثلاثة من العلماء الشرعيين ليعيدوا صياغة مناهج التربية الدينية في التعليم في ضوء ما جاء في هذه الورقة؛ فاجتمعت مع كل واحد منهم، غير أني فوجئت بأن كل واحد منهم يتصل بي ليبدي أسفه، وأنه لا يستطيع التصدي لهذا الأمر لأسباب صارحني كل منهم بها، كما أن الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله، قد اعترض على المناهج، وقال إنها لا تُرضي الله ولا رسوله عندما زرته في منزله في عنيزة".
وأكد كذلك أن الزمن المخصص من وقت الدروس في مختلف سنوات الدراسة للعلوم الدينية لا يجوز المساس به، وإذا اقتضت الضرورة أو تطلب حسن السياسة التربوية إعادة توزيعه على السنوات فإن ذلك لا يعني إنقاصه بحال من الأحوال، وأن الموضوعات التي تجري دراستها في كل سنة من سنوات الدراسة النظامية يجب أن تتواءم مع التكليف المطلوب شرعاً من الطلاب في معدل العمر الذي يكونون عليه في هذه السنة أو المجموعة من السنين.
كما رأى أن المناهج الدينية الحالية (محشوّة) ببعض المعارف البدهية والمعروفة بفطرة الإنسان، مثل: الماء الذي غلب عليه الحبر، أو الماء الذي غلب عليه المرق لا يصح التوضؤ به، على أنه يجوز الوضوء بماء غسلت به أكواب القهوة والشاي، ومثل ما يجوز من أكل اللحوم وما لا يجوز، وتعداد كثير من الحيوانات التي لا يجوز أكلها بما في ذلك الفيل، والذئب، والفأر، والتمساح، متسائلاً: "من ذا الذي سيأكل لحوم هذه الحيوانات؟"
كما يرى الآن أن بعض الكتب المقررة تحتوي على أسماء لأشياء لم تعد الآن معروفة للكبار فضلاً عن الصغار، مثل: المد، الصاع، والأوسق، ووجود أحكام مختلف فيها، والرأي عنده "أن لا تدرس في هذه المراحل التعليمية"، مستشهداً بدعاء الاستفتاح في الصلاة، الذي توحي مناهجنا بأنه ركن من أركان الصلاة.
وقال: "غاية ما يمكن أن ترمي إليه الدراسة العامة أو تحققه هو أن تعلم الطالب الأحكام والمعارف الدينية الضرورية التي لا يستغني عن معرفتها أحد، وأن تتيح له تكوين فكرة عامة عن غيرها من المعارف الإسلامية، حتى يبحث عنها عند العلماء بها، أو في مصادرها المدونة عندما يحتاج إليها".
كثير من تلك الأفكار السابقة المذكورة هنا وما لم يتم ذكرها.. يؤيدها اليوم عدد كبير من منسوبي الميدان التربوي، وتجد قبولاً لديهم، لأن أغلبها يتماهى فعلاً مع هذا العصر مواكبةً ورؤية، ويبقى أن هذه الأفكار سبقتنا بعقد من الزمان، وما طرحه هذا "الرشيد" من أفكار ورؤى يبقى رهينة الطرح والمناقشة للبحث عن التغيير والتطوير، وتبقى الأسئلة تباعاً لدي.. هل يمكن لوزارة التربية والتعليم الآن أن تقدم تلك الأفكار والرؤى بإيجابياتها وسلبياتها كورقة تحدث حراكاً في جانب من أهم مناهجنا التربوية ومقرراتنا الدراسية وتطرحها للنقاش في الميدان التربوي؟ أم أننا ما زلنا أسرى عدم قبول المناقشة في مثل تلك الأفكار أو حتى القرب منها؟ ليستمر الحال حتى نرى بعد حين وزيراً آخر يحكيها لنا كمذكرات بعد تقاعده أو إعفائه من منصبه!