إذا كانت الأرقام في واقع الأمر تكشف أن نسبة زيادة السكان في السعودية تنخفض ولا تزداد مع الوقت تبعا لانخفاض معدل الخصوبة (مقال الكاتب: هل يزيد الشعب السعودي أم ينقص؟ في الوطن بتاريخ 23/9/2012 فهذا لا يعني في المقابل أن المملكة لا تعاني من تحد راهن يتعلق بنسبة السكان، واقع الأمر أن انخفاض معدل الخصوبة سينعكس بعد جيل أو أكثر وسيكون له مجموعة تحدياته الخاصة به في حينها، بينما اليوم نحن نحصد ثمار معدلات خصوبة مرتفعة، إن لم تكن بين الأعلى في العالم، قبل جيل أو أكثر. معدلات الخصوبة المرتفعة قبل جيل لم تكن عارضا ليس له جذور ومسببات تماما كما هو حال انخفاض معدل الخصوبة اليوم. فإذا كان انخفاض هذا المعدل اليوم بين الشباب السعودي يعود بشكل من الأشكال لعدة أسباب أهمها ارتفاع كلفة الطفل على متوسط السعوديين إضافة لازدياد حالة "الشعور بالفقر" والتي قد تقود لانكماش العائلة وتفضيل عدم الإنجاب (مقال الكاتب: الحديث الممنوع في الوطن بتاريخ 30/9/2012)؛ فإنه يمكن أيضا الادعاء أن ارتفاع معدل الخصوبة إبان السبعينات كانت تقف خلفه مسببات اقتصادية لا تتعلق فقط بالطفرة و"الشعور بالغنى" بين متوسط السعوديين، بل أيضا بسياسة الدولة المحفزة للإنجاب من خلال "دولة الرفاهية" welfare state.

الحاجة للإنجاب خلال السبعينات كانت واضحة للدولة، خاصة مع الانقلاب الذي أحدثته الطفرة وحاجة الدولة حينها لقاعدة بشرية كبيرة ترادف تلك الطفرة الاقتصادية. سياسة الدولة الاقتصادية في حينها كانت محفزة بطبيعتها لزيادة الإنجاب (توزيع أراض للسكن، ووظائف حكومية، ورعاية صحية وتعليمية مجانية، ودعم لأسعار الغذاء) وما نراه اليوم هو أن عدد سكان المملكة تضاعف بنسبة تقارب 333% خلال الفترة من 1975 إلى 2010 (من 7 ملايين إلى 25 مليون نسمة). هذا الانفجار السكاني كان يمكن له أن يكون منفعة وثروة كبيرة اليوم بدلا من تحوله لعبء اقتصادي واجتماعي وتحد راهن ينظر له الناس بسلبية، ذلك لو أن هذا الانفجار السكاني كان مترادفا منذ بدايته بتخطيط ورؤية سليمة تتعلق بنظام التعليم ووضع سوق العمل وتوجيه الاقتصاد بعيدا عن سلبيات "النظام الريعي" من خلال تعليم وتدريب الأجيال السعودية لتحتل كامل قطاعات الاقتصاد مع رفع الرواتب ومستوى المعيشة تماماً كما نرى في السويد أو النرويج اليوم، مواطن الدولة عاملا في كل القطاعات دون أن يؤثر ذلك على مستوى معيشته بل على العكس ينتفع هو بمستوى معيشة يعد من الأعلى في العالم وإن كان مجرد عامل بناء أو مصنع.

ما حدث هو أنه بدلا من التعامل بمنطق الدولة النامية التي جاءتها موهبة لتنطلق في طريق التنمية والتطوير بصورة سليمة؛ تعاملنا بمنطق الدولة التي وصل اقتصادها لمرحلة النضوج maturity والثراء مستوردين عمالة رخيصة لخدمتنا وكأننا إمارة موناكو أو ليخنشتاين، ومع استمرار أنماط الإنجاب المرتفع نجد اليوم 70? تقريبا من الشعب السعودي أقل من 35 عاما و50? منه تقريبا لا يزال في الفئة العمرية التي تمثل طلاب المدارس والجامعات، أي إن المملكة بصدد تحدٍّ راهن كبير يتعلق بقوة عاملة سعودية كبيرة تنمو باطراد تحتاج المملكة معه إلى توليد 200 ألف وظيفة سنويا على الأقل حسب بعض التقديرات. البطالة بين السعوديين تضعها الدولة في حدود 10? ويضعها بعض الاقتصاديين في حدود 25? وهي بحسب كل ما يكتب عن المملكة تقريبا تشكل التحدي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الأهم لدينا. لكن في المقابل تكشف الأرقام أن فترة الطفرة الثانية (2004-2010) شهدت زيادة في عدد العاملين الأجانب في المملكة بمقدار 2.5 مليون عامل أجنبي جديد، ومن ثم فإنه في الوقت الذي يمكن للاقتصاد السعودي أن ينتج فيه مزيدا من الوظائف فإن العيوب الهيكلية في الاقتصاد والبنية الاجتماعية والتعليمية نتاج الرؤية والتخطيط الخاطئتين في البداية هي ما نحصده اليوم في دفع تلك الوظائف بعيدا عن الشاب السعودي.

نتائج أخطائنا في الرؤية والتخطيط إبان الطفرة الأولى لا تتوقف فقط عند البطالة، الهجرة الداخلية إحدى تلك الانعكاسات، فمن 119 مدينة وقرية تشكل مجموع كامل الأماكن المأهولة بالسكان في المملكة يعيش 80% من سكان المملكة في 31 مدينة وقرية، منها 7 مدن تشكل نصف عدد السكان، بينما مدينتا الرياض وجدة فقط تشكلان ثلث سكان المملكة. إدارة النمو السكاني مع الوقت لم تتم بشكل سليم، وتركز الثروة والاهتمام ببعض المدن بدلا من توسيع القاعدة وفتح مجالات للنمو الاقتصادي على كامل امتداد البقعة الجغرافية تسبب في ارتداد عكسي على تلك المدن من خلال الهجرات الداخلية، مع ما تسبب فيه الأمر من ضغط على البنية التحتية وتآكلها عدا عن كون أن تلك المدن لم يكن مخططا لها بالأساس أن تتسع بهذا الشكل المطرد.

نحن نحصد اليوم ثمرة رؤية اقتصادية قاصرة ومخرجات تعليمية فشلت على مدى ثلاثة عقود في أن تخرج كفاءات سعودية لسوق العمل بالشكل المطلوب والمؤمل. في المقابل أوجدنا سوق عمل قائما على العمالة الرخيصة، وبدلا من توجيه الاقتصاد نحو الارتقاء بالمستوى المعيشي بما يوازي الدول الغنية وتوفير ذلك للمواطن السعودي (مثلا: يصبح عامل البناء سعوديا دون أن ينتقص ذلك من مستوى معيشته) قمنا بخفض مستوى المعيشة لتناسب العمالة الرخيصة ودفعنا فرق الفاتورة من خلال سياسات "دولة الرفاهية" التي مولها برميل نفط متقلب الأسعار، لذلك عندما هبطت أسعاره انكمشت "الرفاهية"، ومع حصاد زيادة السكان أصبحت مسألة الحفاظ عليها تحديا صعبا، ويزداد صعوبة إذا ما استمرت نفس أنماط التشوه الاقتصادي، وهو التشوه الذي انعكس لا شعوريا لدى المواطن من خلال الانخفاض الهائل في معدل الخصوبة، على الرغم من كون سياسة الدولة المحفزة للإنجاب كما هي لم تتغير.

إذا كانت استمرارية نفس معدلات الزيادة السكانية مستقبلا غير واردة، فتظل نسبة السكان الراهنة ومشكلة معدل البطالة قائمة على مدى هذا الجيل بكامله، وليست المسألة عدم وجود نمو اقتصادي، فنحن في طفرة أخرى، ولكن مشاريعنا التنموية اليوم تعني مزيدا من العمالة الأجنبية للبناء والإنشاءات، ومزيدا منها للعمل في حقول النفط وهكذا في كل القطاعات الرئيسة، (والدليل زيادة عدد العاملين الأجانب). اقتصادنا يعاني من تشوه، وهو تشوه لا تحله برامج كـ"حافز" و"نطاقات" وغيرها. نحن بحاجة لحلول من خارج الصندوق ومن خارج كتيب المقترحات والأفكار التقليدية، ولشجاعة مسؤولين يعترفون أن كل ما طرح هو "مخدر موضعي" وأن الحل الجذري للتحدي الراهن لم يطرح بعد.