نشرت "الوطن" منذ بضعة أسابيع تصريحات للأمير سلطان بن سلمان رئيس هيئة السياحة والآثار دفعتني إلى تفاؤل كبير بتحريك الفتوى القاضية بتحريم الإسكان وغلق منطقة مدائن صالح، حيث ذكر أن عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبدالله المنيع بعث له رسالة تحثُ على فتح "مدائن صالح" لتكون مصدر رزق للفقراء، هذا الخبر من أكثر الأخبار التي أدخلت إلى قلبي السعادة، فقصتي مع مدائن صالح طويلة بدأت منذ تساؤلاتي البسيطة حين كنتُ طالبة بالمتوسطة، لكنها زادت إلحاحا حين عملتُ في الصحافة حتى جاء عام 2006م وعزمتُ فيه أخيرا غلق باب فضولي بزيارة صحافية إليها تزامنت مع زيارة فريق علمي، ولا أنسى اليوم أن أشكر بعمق البروفيسور أحمد الزيلعي أستاذ التاريخ والآثار الإسلامية عضو الشورى الحالي الذي ساعدني بأن عرفني على نخبة من الأكاديميين الآثاريين وتسهيل زيارتي، فوجدت أسئلتي ضالتها، وحين زرتها كنتُ أحسبها بيوتا سكنها الثموديون، كما غُرست في عقولنا! وكان السؤال الذي يطرق رأسي لحظتها: هل يعقل أن تاريخ نحتها سبق بناء الكعبة المجيدة تصديقا للترتيب الزمني لبعث الأنبياء عليهم السلام؛ حيث سبق صالح زمنيا أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم وابنه إسماعيل عليهم السلام؟! لكن زيارتي كشفت لي أن تأريخ العلماء لها لا يزيد على 2100 سنة تقريبا، ما ينفي علاقتها بثمود، وحين دخلتها لم أجدها بيوتا للسكن بل لحودا ومقابر عائلية نبطية، وهو ما أجمع عليه علماء الآثار، إذاً في الأمر حقيقة أخرى ليست التي بُنيت عليها الفتوى القديمة التي قضت بغلقها، وقد نشرتُ هذه الحقائق العلمية حينها وفوجئ الكثيرون بها، ثم تبعتها تقارير متتابعة بالجريدة الخضراء إبان عملي بها.

بحق منذ تلك الرحلة لم أشعر بالإحباط أبدا لأني أكتب من حب وهم ثقافي واجتماعي، وكنت على يقين أنه سيأتي اليوم الذي يتم تحريك الفتوى بما تقتضيه الحاجة الوطنية والمعلومات الحفرية الجديدة، فإن كان الزيت الأسود سينفذ يوما فهذه الآثار باقية ما بقي الاهتمام بها، وكتبت العديد من المقالات أنقل فيها ما عرفته عبر تلك الرحلة والقراءة في كتب الآثار، أهمها كتب البروفيسور عبدالرحمن الأنصاري، ولم أحبط وبعض المؤدلجين يحاولون رميي بالتجهيل وأنا أفتح ملف المنطقة وأطالب بتحريك الفتوى القديمة لأجل وطني والفقراء والشباب الذين ينتظرون فتح مجالات جديدة للوظائف، ولم أتوقف لأني لم أتلق اتصالا هاتفيا واحدا من هيئة السياحة والآثار ليقول لي أحد المسؤولين شكرا على هذا الحماس وتحمل المشقة للسفر بمجهود فردي مرتين جوا وبرا، لم أحبط لأنه لم يدفعني أحد على الاستمرار كل هذه السنوات بكتابة مقالاتي في عكاظ وجريدة الرياض وأخيرا "الوطن" لأنقل ما أثبته المتخصصون أنها نبطية وليست ثمودية!

ولن أحبط حتى أرى بعيني "مدائن صالح" من أبرز المعالم السياحية التي يعرفها السعوديون أكثر من الأجانب، والتي يزورها الأجانب اليوم أكثر من السعوديين أنفسهم.