رفع سمو الأمير خالد الفيصل شعارين مهمين يمثلان رؤية بعيدة نواكب بهما العصر.. الشباب كمحور ارتكاز لعملية التنمية برمتها، والعالم الأول كهدف استراتيجي للدولة.. هذان هدفان استراتيجيان يوفران علينا الكثير من المصاعب المستقبلية التي أظن الأمير يستحضرها في ذهنه ويهدف إلى الالتفاف حولها بذكاء متناه لتجنيب البلاد الكثير من المتاعب أولاً، ولتحقيق المكانة التي تليق ببلادنا ثانيا، ولنصل اقتصاد المعرفة الذي يعتمد بشكل كامل على مكامن القوة الفكرية عند الشباب.
وهنا أولاً أدعو للأمير بالتوفيق لتحقيق هذه الأهداف النوعية، وأقول لسموه إن هذه الأهداف العظيمة التي تتبناها تحتاج من أطراف لأخرى أولاً للوصول إلى مستوى استيعابها ثم إلى مستوى ما تنطوي عليه ثم إلى معرفة آليات تحقيقها.. وأقول لكم يا سمو الأمير إذا لم يسمع صوتكم الآن فقد تكون النتائج السلبية كبيرة. الأمة لا تتقدم إلا بشبابها ولا تنتصر إلا بسواعدهم ولا تعمل أفكارهم وسواعدهم إلا بالاقتراب منهم وعمل كل ما يضمن وجودهم على سفينة الوطن. أكتب متفائلاً يا سمو الأمير أن صوتكم سيسمع وستتفاعل الجهات والمؤسسات والوزارات المعنية لهذا النداء النوعي المتقدم المخلص، لكن حتى يسمع لا بد من جهة تتبنى فكركم وتوحد الجهد وتنسق العمل وتضع الأهداف والآليات وتتجاوز البيروقراطية. أنا هنا أكتب متفائلاً لا ناقداً، لأن بلادنا تمتلك كل الإمكانات لتحقيق هذه الأهداف النوعية التي تتماشى مع هذا العصر الذي لا يعترف بالكسالى والمقصرين والخاملين. عصر المنافسة الشرسة الذي يتطلب فكراً نوعياً وجهداً نوعياً وإصرارا على الوصول للعالم الأول. ما نراه من إبداع من شبابنا ومن عمل ومن تفان يجعلنا نتفاءل أننا يمكن أن نصل إلى العالم الأول. لا يمكن لاقتصادنا أن ينتعش إلا بتحويل الابتكارات إلى صناعات، ولهذا يقع العبء على مفكري هذه البلاد وحكمائها بتلبية الاحتياج للاستثمار الأساسي في الشباب وفي ابتكاراتهم وتحقيق إنجازات منافسة في هذا المجال.
يجب أن نعي أننا نعيش في عصر جديد يسمى: التصنيع المتقدم Advanced Manufacturing الذي يتطلب زيادة خريجين ذوي تأهيل عال جداً في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويستثمر هذا الجهد مباشرة، لأن النجاح وكسب المستقبل يتوقف على تشجيع الابتكارات التي تواكب العصر ومستجداته، ويستفيد العالم من تجاربه السابقة، فالوضع الاقتصادي المتأزم الآن في العالم لن يخرجه إلا أفكار جديدة ومنجزات جديدة تضمن التنافس على العالم الأول. ودول العالم الأول تعي هذا وتعمل من أجله. وكان الدافع القوي للخروج من تلك الأزمات هو الابتكارات التكنولوجية جنباً إلى جنب مع تبني خطط وطنية طموحة في التعليم. وبهذه الروح يسعى السياسيون اليوم في تلك الدول إلى اقتراح طرق لتشجيع الابتكارات وتحويلها إلى صناعات ومنتجات وبضائع تصدر إلى الخارج. هذا هو التركيز الأساسي اليوم. وتقوم بهذه المهمة الجامعات.
يقول روبرت سولو الاقتصادي والأستاذ في MIT إن مرد نجاح نصف اقتصاد أميركا في الستين سنة الماضية يعود إلى الابتكارات التكنولوجية التي خرجت من معامل البحوث والدراسات في الجامعات، وما زالت هذه المؤسسات تلعب هذا الدور إلى الآن. وما زال يعَّول عليها الخروج من هذه الأزمة بدعم من الحكومة الفيدرالية. فعلى سبيل المثال يتم في جامعة هارفرد الآن توصل علماء الخلايا الجذعية إلى إنتاج خلايا نشطة لعضلات القلب. وتوصلوا إلى طرق جديدة لإصلاح الأعضاء البشرية المتضررة. وفي MIT توصل العلماء والمهندسون إلى تقنية حديثة لمستقبل تقني نظيف إلى جانب تخرج أجيال من رواد التقنية الحديثة. ويعمل الباحثون في جامعتي هارفرد وMIT معا لإعادة تعريف الوقاية والتشخيص والعلاج لعدد من الأمراض المستعصية من السرطان مروراً بالتوحد ووصولاً إلى الإيدز.
ولتسريع هذه الابتكارات وتحويلها إلى بضائع في السوق يتطلب الأمر التزام قطاعي الصناعة والحكومة بالدعم. ووفقا لتقرير باتل Battelle فإن الدعم الأساسي لهذا التوجه وعلى مستوى العالم الذي يصل إلى الثلث يأتي من الشركات المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا ومن مصادر عامة وخاصة. ودول مثل الصين وكوريا والهند وروسيا والبرازيل تعمل على توسيع دائرة التزامها بمجالات البحث والتطوير (R&D) أكثر من الولايات المتحدة ومن دول كانت قائدة ورائدة في هذا المجال مثل ألمانيا واليابان. والجامعات جميعها هي محور الارتكاز. الابتكارات تتطلب مبتكرين، والطلب يتزايد على التركيز على التعليم للقيام بهذه المهمة، فهو وحده القادر عليها، والأسئلة الملحة التي نطرحها في نهاية هذا العرض هي:
ما هي العلاقة بين الوزارات والجامعات؟ وهل هناك جهة تقوم بالتنسيق بينهما؟
ما دور الجامعات في الابتكارات؟ وهل يتم تحويل كل الابتكارات إلى منتجات وبضائع عن طريق تأسيس شركات تقوم بتحويل تلك الابتكارات إلى صناعات تسهم في حل مشكلة التوظيف والبطالة؟ هل نحن على قناعة تامة أن الجامعات هي المآل بعد الله للوصول لمستقبل اقتصادي متقدم؟
وخلاصة القول يا سمو الأمير أن الجامعات والوزارات تمتلك مفتاح الوصول للعالم الأول، لكني أظن أنه لا بد من وجود جهة توحد الجهود وتنسقها، وتوجد آليات لدخول الشباب وعرض أفكارهم ورؤاهم ومزجها بما يتم في الجامعات والوزارات لاستثمار إمكانات تلك الوزارات والجامعات بشكل يخلو من البيروقراطية، وإطلاق العنان للشباب لتفجير مكامن القوة لديهم بطريقة تخدم الوطن وتوصله للعالم الأول.
يا سمو الأمير أقسم لك بالله إنك صادق في القول إننا يمكن أن نصل للعالم الأول.. لأن العالم الأول لا يتميز إلا باستثمار قوة شبابه الفكرية وتوظيفها لأوطانه، فيما مكامن قوة شبابنا باقية دون استثمار.. أنت يا سمو الأمير محق في التركيز على الشباب واحتوائهم والعمل على توظيف واستثمار قدراتهم.
هذه الجهود وهذه الأفكار تجعلنا نبدأ من حيث انتهى العالم الأول ونصل إلى ما وصل إليه ولا طريق غير ذلك. يدك قوية يا سمو الأمير لكنها تحتاج لإيدي الوطن القوية الأخرى .. وهل تعرف يا سمو الأمير من هو عدونا الأول؟ إنه الوقت.. الوقت الذي جعل اللحاق الآن بالمستجدات صعبا.. ولا بد من اللهث والعمل على رؤوس الأصابع. كل ما أتمنى يا سمو الأمير أن تُفهم أفكاركم وأن يتم الدفع بها بقوة لتشكيل هيئة تتولى التنسيق مع جهات الوطن الأخرى من أجل تحقيقها.