كتب الساخر الفاخر محمد السحيمي قبل أيام معلقاً ومؤيداً لمقالة الزميل سامي الفليح الذي يدعو لاستخدام اللهجة العامية أو اللغة المحكية بحسب التصريح والتصليح الأسحمي في مسلسلات الأخبار السعودية.
وقبل أن أدفلج في الموضوع أود الإعادة في الإشادة بما يكتبه هذا الفليح، ولولا خشية احتجاج الأحوال المدنية على تغيير الكنية الممهورة في بطاقة الأحوال وكذلك الحقوق الحصرية لهذا الاسم لدى بعض الأسر الكريمة لسميته سامي الفالح، لفلاحه الواضح فيما يكتبه من نقد راسخ ينم عن اطلاع رؤيوي عميق وخاصة في الفن السابع، حيث يتسنم مكانة نقدية باتعة فيما يخص السينما وأعلن من هذا المنبر أنني من مريديه.
ويمكنني الآن أن أعود القهقرى إلى الموضوع الأصلي لأتفق مع "الأزملين" السحيمي والفليح في ضرورة تخفيف هذه الصرامة الظاهرة على مذيعي نشراتنا التلفزيونية الإخبارية.
لقد أشاعت الأنظمة العربية العسكرية هذه الوصفة المتجهمة لنمط نشراتها الإخبارية التي كانت حافلة بالبيانات الصارخة لغوياً وصوتياً، حتى إنك ترى أوردة المذيع الثورجي وهي تكاد تنفجر من "الغيظ" وكنت تسمع صرير أسنانه وتراكب فكيه وارتفاع أنفاسه وانتفاخ أوداجه وهو يتحدث مبجلاً وممجداً في الثورة وقائدها، وتشم رائحة المنة وهو يعدد المآثر والنعم التي جلبتها الثورة المباركة فعمت الدور والأراضي البور. ولأن الريادة في الشاشة الغشاشة كانت لهذه الأنظمة فإن من أتى من بعد سار في نفس المدار وصار يستنبت المذيعين المتخشبين الذين لا يفتر لهم ثغر ولا يرتد لهم طرف، بل إنك تعجب كيف تلبس هؤلاء المذيعون العرب "العفاطة" بدل البساطة عند دخولهم إلى ساحة معركة نشرة الأخبار كما لو أنهم يرتدون قبل ساعة الصفر لبوساً عبوساً قمطريرا. والأكيد أن استخدام اللغة المحكية في المرئي والمسموع أوقع أثراً وأجذب بصراً للمشاهد والمستمع، ومن نافلة الكلام وسنن الإعلام أن اللغة العربية كانت لغة شفاهية قبل التدوين ولا بد أن الاضطرار عند الأمي الذي لا يكتب هو من خلق الوزن والقافية في الشعر ليسهل حفظه وترديده، لأن الأذن منحازة للموسيقى، ومن هنا تكمن حجة دعاة قصيدة النثر الذين لا يرون ضرورة للقافية مع تفشي العلم والكتابة، وعليه فإنني أضم صوتي إلى الأعزين السحيمي والفليح مؤيداً للتخلص من "النشا" وهو المريتو الظاهر على قعدة ولغة مذيعينا. وأحسب أن هذا هو سبب انتشار اللهجات المصرية واللبنانية بالنظر مسبقاً إلى القوة "الناعمة" الظاهرة على شاشاتهم، ومن هنا يظهر فشل غير الخليجيين من إخواننا العرب في فهم لهجاتنا أو محاولتهم تقليدها، وذلك لأننا لم نوصلها عبر مسالكنا الإعلامية، ومع إمعاني في تأييد هذا التوجيه إلا أنني أسجل اعتراضي على امتهان اللغة العربية في المكتوب والمقروء، وأتحفظ على الكتابة بالعامية، لأنه سيكون من الاستحالة رصد الحركات المختلفة في اللهجات المحكية العامية بين مناطق الدولة الواحدة فما بالك باختلاف الألسنة بين الشعوب العربية مشرقية ومغربية، معاضداً في هذا الشأن المدرسة الكسائية والكوفية (كأنني أتحدث عن محل خياطة لغوية).
والأهم الأعم هو إيصال الرسالة، وهذا هو هدف كل قناة، فلماذا التكلف والتقعر وركوب الصعاب وتنكب المطاب "الصناعية" اللغوية ما دام أن لدينا مساراً يسيراً يحقق المبتغى ويشبع الرغبات ويجذب الناظرين والسامعين كباراً وصغاراً وينحاز للطبقة الوسطى التي تراوح بين علية المتعلمين وأواسط الناس ودهمائهم.