من أجمل القواعد العامة التي يستعملها أغلب الناس من مختلف التخصصات قاعدة (الحكم على الشيء فرع تَصوُّره) ـ أو (عن تصوره) أو (على تصوره) ـ وهي قاعدةٌ ابتدعها أول من ابتدعها علماء المنطق، ثم أقرهم عليها علماء الفقه، وأصول الفقه، وقواعد الفقه، ومقاصد الشريعة وغيرهم.
الجميل في هذه القاعدة الجليلة مسائل كثيرة، من أهمها أن أغلب من يتبناها يرددها وهو لا يعرف أن أول من نطق بها هم المناطقة؛ الذين اختلف الشرعيون في الأخذ عنهم بين محرِّم، وموجب، ومجيز "لكامل القريحة".
من مفاتن هذه القاعدة الجميلة أنها أصبحت قانوناً عاماً لا يمكن إلا أن يراعيها اليوم أكثر من أمس، وغداً أكثر من اليوم من منَّ الله عليهم بكثير الوعي أو قليله. وحقيقة الأمر تبين أن هذه القاعدة خير معين لمن أراد أن يجادل بالتي هي أحسن؛ أو أراد أن يخالط غيره بوئام، أو يعايش من حوله بسلام، أو أراد أن يحكم على الخلق بعدلٍ وإنصاف ليكون في حياته مقسطاً لا قاسطاً.
(التصور) المقصود في هذه القاعدة يعني تقديم الفهم والاستيعاب والتفكر والإلمام والإحاطة بالشيء قبل الحكم عليه، وبغير ذلك سيقع الواحد أو الجماعة في المحاذير الكبيرة والأخطاء المخلة.. ولا شك أن تغييب الموضوعية قبل إصدار الأحكام أفسد على الناس تقبلهم لبعضهم، وقد يفسد عليهم ما هو أكبر. والتقبل الذي أقصده هنا هو أن يتفهم الفرد غيره، من غير أن يسعى إلى أن يضمه تحت رايته؛ وهذا التفهم لا يمكن القيام به إلا بتضافر جهود المؤسسات التربوية، والدينية، والثقافية، والاجتماعية، وأن تنتهج جميعها مفهوم أن لا أحد يملك كل الحقيقة، وأنه ليس هناك من هو على صوابٍ وغالب من حوله على خطأ، وأن للحقيقة أوجها متعددة؛ فلا نزعم أننا ممثلون شرعيون وحيدون لها، أو ندعي أن ما نقوله أو نفعله هو عينها.
من المؤلم على النفس أن يوجد في مجتمعاتنا من يحكم على أمور الناس قبل تصورها، والأكثر إيلاماً أن يوجد من يصدق هذه الأحكام. والمؤلم المركَّب أن يوجد ـ وللأسف ـ من يكذب في وضع وصياغة وحبك هذه التصورات؛ مستحلاً ذلك بحجة جواز المخادعة في الحرب، ويعتقد أن: "من الحرب حرب الأفكار، وهي أشد من حرب القتال، فيجب استخدام الخدعة، ويباح الكذب فيها لإظهار أهل البدع والشركيات، وأهل الفرق الباطلة من روافض وزنادق، وأهل علمنة وحداثة وقرامطة وغيرهم بمظهرهم المخزي، لكيلا يغتر بهم عوام المسلمين؛ وإظهار أهل السنة وأصحاب العقيدة السليمة بمظهرهم اللائق بهم".. اليوم وقبل أي يومٍ آخر لا بد أن نؤكد جميعاً بمختلف تصنيفاتنا القبلية أو المناطقية أو الفكرية على أن حوار الفكر للفكر هو الذي يحمي بأمر الله تعالى الناسَ من العنف، والتخندق في زوايا ضيقة، أو التعسكر في بيئاتٍ مظلمة، وأن الكذبَ على الناس نوعٌ واحد؛ لونٌ لا يسر، وطعمٌ مر، ورائحةٌ خبيثة.
من التراث:
يروى عن الإمام الشعبي أنه ذهب يوما إلى القاضي شُريح يزوره، وبينما هو جالس عنده حضرت امرأة تشكو إلى القاضي شريح ظلماً وقع عليها، وكانت المرأة تبكي بكاءً شديداً والدموع تنهمر من عينيها، فقال الشعبي: ما أظن هذه المرأة إلا مظلومة، فقال: يا شعبي: إن إخوة يوسف "جاؤوا أباهم عشاء يبكون"..