يتساءل كثير وخصوصا المهتمين بالتاريخ والآثار الإنسانية عن سبب القرار العجيب بإغلاق أقسام التاريخ في كثير من الجامعات السعودية التي كانت تدرسه، وعدم وضعه في الخطط الدراسية للجامعات الناشئة، وذلك بخلاف ما يحدث في معظم الجامعات العالمية التي تولي هذا العلم عناية خاصة؟؟ وبالطبع فالإجابة الجاهزة التي قرأها وسمعها الجميع منذ أن بدأت قرارات الإغلاق بأيدي مدراء الجامعات ذوي التخصصات العلمية البحتة، هي أن قسمي التاريخ والجغرافيا يخرجان عاطلين عن العمل ولم يعد لهما أهمية! ولو تمعنا في سبب الإغلاق لوجدناه وجيها من جهة ومثيرا للحسرة والشفقة على واقع التعليم من جهة أخرى، فمكان الوجاهة أن دخول أقسام التاريخ من أجل "شهادة معلم صبيان" لم يعد مجديا فمعلمو التاريخ أصبحوا مثل عدد الحصى، وبالتالي فأي قادم جديد للميدان لن يجد موطئ قدم. أما الوجه الآخر المثير للشفقة فهو أن علما مثل هذا تصرف عليه وعلى أصحابه الملايين في دول أخرى لخدمة قطاعات الجيش والسياحة والثقافة وغيرها، أصبح لدينا مجرد حفظ لتواريخ غزوات وأحداث تنبع من مصدر واحد فقط ،دون أي جهد لبحث عن وجهات نظر مختلفة ومن مصادر متعددة، مما حول التاريخ إلى مادة "قص ولصق". وهو ما أفقد الدارس الجاد للتاريخ والآثار أي تميز عن كثير من أقرانه من طلاب أقسام التاريخ الذين لا يختلفون في شيء عن أشرطة "الكاسيت" أو أقراص الـ"سي دي" سوى أنهم يملكون حناجر وحبالا صوتية.

الحقيقة أنه لن يدرك هذا الأمر إلا من يطلع على بحوث التخرج لمرحلة البكالوريوس في الجامعات التي كانت أو ما زالت تدرس مادة التاريخ.

بل إن كثيرا من رسائل الماجستير والدكتوراه هي الأخرى تعاني هزالا عجيبا في المضامين البحثية الجديدة، مع أن الجميع يعرف أن "الجدة والاكتشاف" من أهم شروط الحصول على درجات علمية عليا كالماجستير والدكتوراه. وعلى الرغم من ذلك تجد "الباحث" يحصل على درجة "ممتاز، مع مرتبة الشرف الأولى" والأسوأ أن يوصى بطباعة هذا المسمى "رسالة" وهو مجرد نسخ و"قص ولصق" لكتب الباحثين الحقيقيين من القدماء وبعض العلماء الغربيين.

ولأن "لكل قاعدة شواذ"، فلابد أن أشير هنا إلى أن هناك شبابا سعوديين مغرمين بالبحث في حقائق التاريخ، لم يركنوا إلى تقليدية أقسام التاريخ، فبدأوا في الخروج بنتائج جديدة كليا في تاريخ مناطقهم ووطنهم والجزيرة العربية بشكل عام، وأخذوا يشقون الطريق الصحيح لإعادة الاعتبار لعلم التاريخ، أجزم أن أحدهم ـ ممن أعرف ـ سيكون مفاجأة سعيدة قريبا.