في بداية هذا العام، تحديدا في فبراير 2012، حذر السياسي الأميركي المخضرم (هنري كسينجر) مستشار الأمن القومي الأميركي السابق من اندلاع الحرب العالمية الثالثة، بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى.
وبالأمس القريب نشرت (نيويورك تايمز) الأميركية تصريحا لوزير الدفاع الأميركي (ليون بانيتا) من أن الولايات المتحدة تواجه احتمال وقوع هجمات إلكترونية يقوم بها (هاكرز) تشبه ما حدث في موقعة (بيرل هاربر) خلال الحرب العالمية الثانية تقوم بها دول معادية، حيث أصبحت شبكة الكهرباء، ونظام النقل، والشبكات المالية، وشبكات الحكومة عرضة لهجمات الهاكرز الأجانب الذين يمكنهم تفكيكها، مؤكدا أن الدول أو المجموعات الأجنبية يمكنها استخدام مثل الأدوات والمفاتيح الإلكترونية للتدمير، حيث يمكن إخراج قطار من سكته، أو تلويث مياه الشرب بالمدن الكبيرة، أو إغلاق شبكة الكهرباء بأجزاء واسعة من الولايات المتحدة.
وفي وقت سابق أيضا صرّح (بانيتا) أن فيروس "شامون" الذي هاجم شبكات أجهزة شركة أرامكو السعودية ودمر ثلاثين ألف جهاز، شابهه هجوم آخر حدث بعده بأيام دمّر الأنظمة الحاسوبية في شركة راس غاز القطرية للغاز الطبيعي.
إن كل هذه المؤشرات تدعو إلى القلق من ناحية، وإلى الحيطة وأخذ فائق الحذر من ناحية أخرى فيما يخص التعاملات الإلكترونية، ولا سيما أن التعاملات الإلكترونية أصبحت جزءا من حياتنا، بل إننا نتجه إلى أن نصبح مواطنين إلكترونيين نشطين ومستغرقين حتى الثمالة في الوسائل الإلكترونية الحديثة المعتمدة على تقنيات الاتصال.
لقد أصبح الأفراد والمجتمعات والدول أكثر وعيا بما تعنيه الحضارة الرقمية الحديثة للعالم، إنها ببساطة حياة متكاملة لا يمكن أن تكتمل الحياة البشرية من دونها، ولهذا كلما تقدمت الأنظمة الإلكترونية ووسائلها، تقدمت أيضا طرق المهاجمة والتدمير، وخاصة بوجود هواة ومحترفين وفرق وجماعات ودول تدعم هذا التوجه باعتباره سلاحا فتاكا يغني عن حمل السلاح التقليدي اليوم، ولهذا فإن سقوط أنظمة واقتصادات عالمية أمر وارد في ظل هذا النوع الجديد من الحرب.
ولكي تتضح الصورة نجد أن بعض المواقع الإلكترونية الحكومية إما أن تكون قديمة بعض الشيء أو قليلة الحماية، وقد تكررت اختراقات كثير من المواقع الحكومية ربما نتيجة لعدم وجود الحماية الكافية، وهذا يمكن أن يفسر بعدم توفر برامج الحماية (الأصلية) للأجهزة، رغم أن الحكومة تدفع تكاليفها مقدما!
وأعتقد أن أهم السبل لمواجهة آلة التدمير الحديثة هذه هي دعم التسلح الإلكتروني، وإنشاء الخطوط الدفاعية، وتشكيل الجيوش الإلكترونية، للحؤول دون حدوث الاختراقات الاقتصادية والأمنية مثلما حدث سابقا، ويجب أن يرافق هذا الأمر سن أنظمة وقوانين صارمة تحد من الاعتداءات الإلكترونية، وتعمل على تطوير وتفعيل قوانين الجرائم الإلكترونية.
ومع الأسف الشديد، نحن أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أنه كلما استغرقنا في الحضارة الرقمية والحياة الإلكترونية كان هنالك ثمن قد ندفعه باهظا وهو الاختراق غير معروف المصدر، وفي هذا السياق أتذكر أكثر من حادثة فردية تم فيها الاختراق الإلكتروني، وهي وإنْ تمت على مستوى فردي إلا أنها توحي بأن الطرف الذي يقوم بها لا يخشى أي عقوبة؛ لأنه في مأمن من التوصل إليه من ناحية، ومن المحاسبة القانونية من ناحية أخرى.. وهنا تكون الحاجة ملحة لنشر الوعي القانوني وكذلك التوعية باتخاذ التدابير الاحتياطية في الوقت ذاته، وأظن أن هناك مسؤوليات هامة تقع على عاتق بعض الوزارات والهيئات المعنية في توعية المواطن، فيما يختص بالحلول والاحتياطات والإجراءات القانونية.
هناك مسؤوليات تتعلق بالحماية، تقع على عاتق وزارات أخرى باعتبار أن مثل هذه الأمور تتعلق بأمن الدولة والمجتمع، وبالتالي عليها أن تضطلع بحماية المصالح العامة، مثلما يحمي رجال الأمن مواطنيهم وتحمي الجيوش حدود بلادها.
ولن يتأتى هذا الأمر إلا بالعمل على تطوير الكثير من الأنظمة القانونية والأنظمة التقنية في ظل اتجاهنا إلى الحكومة الإلكترونية التي أصبحت ضرورة لا يمكن إغفالها، وهنا تبرز الحاجة إلى دعم الثقة بين مؤسسات الحكومة ومؤسسات المجتمع فيما يتعلق بالخصوصية المعلوماتية للأفراد، بتفعيل قوانين تكفل سرية الاستعلامات؛ لأنها إحدى الثغرات التي تتيح احتمالية ممارسة الحرب الإلكترونية.