أكتب هذا المقال من الولايات المتحدة حيث أعلنت وزارة العدل الأميركية عن حكم قضائي صدر بفرض عقوبات على شركة سويسرية أميركية بتهمة تقديمها رشاوى لبعض المسؤولين الأجانب، بمن في ذلك مسؤولون في أرامكو السعودية.
وقد كان هذا الخبر صدمة لي، كما هو لمعظم السعوديين، لأن أرامكو قد تمتعت بسمعة في غاية النزاهة في كل ما أنجزته، منذ إنشائها. واقترنت تلك السمعة بها منذ قدمت الشركات الأميركية قبل 80 عاماً لتنقل إلينا قدراتها التقنية للتنقيب عن النفط، ثم استخدام ريعه لتمويل عملية التنمية التاريخية التي مرت بها المملكة منذ ذلك الحين.
وبالإضافة إلى اكتشاف البترول، قامت أرامكو ببناء الطرق والموانئ والمدارس والمستشفيات والجامعات، وجمعت سُمعتها الطيبة بين "السخاء" والجودة والنزاهة.
وقد تغير الزمن كثيراً، ولكن سمعة أرامكو في النزاهة والقدرات الخارقة لم تتغير كثيراً. وعلى الرغم من بعض الشكوك التي تُثار بين حين وآخر، تمسك السعوديون بصورة أرامكو الأسطورية.
ولكن الآن سيصبح من الصعب إغفال تلك الشكوك، بعد أن أعلن القضاء الأميركي كلمته. فحسب بيان وزارة العدل الذي أشرتُ إليه، سجلت شركة (تايكو إنترناشونال) وأحد فروعها اعترافهما بانتهاك (قانون ممارسات الفساد في الخارج) الأميركي، ووافقتا (في 24 سبتمبر 2012م) على دفع أكثر من (26) مليون دولار كغرامات للقضايا الجنائية والمدنية التي أدينتا بها.
وحسب البيان، فإن شركة (تايكو)، ومقرها في سويسرا، تنتج وتبيع منتجات تتعلق بالطاقة والسلامة والحماية من الحريق، قد اعترفت بأنها قامت بتزوير سجلاتها لإخفاء الحقائق المتعلقة بدفعها وفروعها رشاوى لمسؤولين حكوميين في عدد من الدول، لإقناعهم بالتوقيع على عقود مع الشركة.
وخص البيان فرعاً للشركة مملوكاً بالكامل لها، باسم (تايكو ميدل إيست) لصنع الصمامات والمنتجات الصناعية الخاصة بمنشآت البترول والغاز والبتروكيماويات ومعالجة المياه وتسويقها في منطقة الشرق الأوسط، حيث اعترف هذا الفرع أمام قاض اتحادي بتآمره لمخالفة الأحكام المتعلقة بالرشوة في القانون، وعلى وجه الخصوص بدفعه رشاوى لمسؤولين في شركة أرامكو السعودية لتمكينه من الحصول على عقود مع الشركة.
ووفقاً للمسؤولين الأميركيين، فإنه "وعلى مدى عشر سنوات، قامت فروع مختلفة لشركة تايكو برشوة مسؤولين في عدد من الدول، وزوّرت سجلاتها لإخفاء تلك المبالغ". وكجزء من الاتفاق الذي اعترفت فيه الشركة بارتكابها تلك المخالفات خلال الفترة (1999-2009م)، وأنها زورت السجلات قصداً لإخفاء تلك الجرائم، وافقت الشركة على أن ترفع للجهات الأميركية المختصة تقارير دورية عن جهودها للالتزام بالقانون، وتطبيق برنامج متقدم لمنع مخالفات لذلك القانون واكتشافها.
وقانون مكافحة ممارسات الفساد الخارجية هو الأساس الذي اعتمدت عليه هذه القضايا، ويشكل أهم تشريع أميركي لمكافحة الرشوة خارج الحدود الأميركية من قبل الشركات الأميركية. وكنتُ في الولايات المتحدة حينما أقر الكونجرس هذا القانون، في عام 1977، وأتذكر كيف حاربت الشركات الكبرى لمنع إقراره، وبعد إقراره حاولت التأثير في تنفيذه، على مبدأ "الجميع يدفعون الرشوة، فلماذا تعاقب الشركات الأميركية وحدها؟"، وزعمت أن تطبيق القانون الأميركي يعطي الشركات الأجنبية مزية نسبية، لأنها غير مقيدة بذلك القانون.
ولذلك فقد سعت الولايات المتحدة لإقناع شركائها الأوروبيين والآسيويين في (منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) للتحرك بالطريقة نفسها لمحاربة الرشوة والفساد، لكيلا تكون الشركات الأميركية هي الوحيدة في هذا الميدان.
وقد جاء إقرار هذا القانون على خلفية التحقيقات التي قامت بها هيئة الأوراق والأسواق المالية حول ممارسات الشركات الأميركية خارج الولايات المتحدة. فقد اعترف في تلك التحقيقات أكثر من (400) شركة بأنها قامت بدفع مبالغ بصفة مخالفة للقانون، أو مثيرة للتساؤل، لمسؤولين أجانب، أو سياسيين، أو منظمات سياسية وغير سياسية، بهدف التأثير في قراراتهم. وكان الهدف من القانون هو وقف تلك الممارسات وإعادة الثقة في نزاهة الشركات الأميركية.
وفي أميركا اللاتينية على وجه الخصوص، اشتهرت الشركات الأميركية بتلاعبها بالمسؤولين الحكوميين وتغييرهم إن دعت الحاجة، بل واستبدال حكومات بأكملها. ولعلك سمعتَ بتعبير "جمهوريات الموز"، وهو تعبير تم اختراعه لوصف علاقة بعض دول أميركا اللاتينية بالشركات الأميركية العملاقة.
وبالطبع فإن هذا القانون لم يقضِ على دفع الرشوة للمسؤولين الأجانب من قبل الشركات الأميركية، كما نرى بوضوح من قضية (تايكو)، ولكن القانون يُعطي الجهات الرقابية والقضائية الأدوات التي يمكن استخدامها لمكافحة الرشوة.
ومن المهم أن نتذكر أنه فيما يتعلق بموظفي أرامكو الذين أشار إليهم إعلان وزارة العدل الأميركية فإنهم يظلون في نظر القانون السعودي أبرياء إلى أن تثبت إدانتهم. ولكن هذه القضية تُظهر الحاجة إلى تعزيز التعاون بين الهيئات الإشرافية والتحقيقية والقضائية لدينا ونظيراتها في الدول الأخرى، لمساعدتها على اكتشاف حالات الفساد أينما كانت والقضاء عليها.
ومهما تكن نتيجة تحقيقات أرامكو في هذه الحالة، فإن الشركة تحتاج إلى الإفصاح الكامل عن نتائج تلك التحقيقات، لكي تستعيد الثقة في كفاءة أجهزتها ونزاهتها.