من منا لم يسمع يوما أحدهم يشتكي من انعدام الاعتراف بالمعروف ونكران الجميل، ويدعم ذلك بقوله: "على قدر ما صرفت عليهم وساعدتهم وجدت منهم جحودا وقلة أصل"! ماذا؟! هل كان يتوقع أخونا أن يحول كل من يساعده إلى عبد يقف عند أقدامه يقدم فروض الولاء والطاعة؟!

حين نساعد يكون ذلك من أجل التعاون والمسؤولية الاجتماعية والإنسانية التي فرضها علينا ديننا الحنيف، أما إن كانت النية أن نساعد كدين يدفع لنا فيما بعد؛ فإن المساعدة تصبح منّا وتعاليا وأعمال خير مقنّعة.

والأمثلة لا تقف عند الأفراد، بل عند تلك الدول والمؤسسات التي ترتدي أقنعة التعاون والتآخي بين البشرية، وما تريده بالأصل أن تأسر المتلقين بديون سرعان ما تبدأ المطالبة بها وإلا تم التهديد إما الدفع أو المقاطعة! يتسببون بالفوضى وبالمجاعات والحروب، ثم يرسلون مؤسساتهم الخيرية كي تداوي! يقضون على ثروات البلاد ثم يقدمون القروض المشروطة طبعا، وعلى الدولة المتلقية أن تقبل بالشروط المصاحبة قبل القرض.. أياد سوداء ترتدي قفازات بيضاء، وللأسف تتسرب قذاراتها إلى السطح وتنتشر كبقع عفنة، ولكن لا تلاحظ لأن العيون زغللت والأنوف سدت!

تقول إحدى قصص المثولوجيا عندهم، إنه خرج يوما أحد الصيادين إلى الغابة فلم يوفق، وهذه المحاولة ليست بالأولى بل تكررت لفترة طويلة، وكاد يقتل أسرته الجوع، إلا أن بعض الصيادين من منطقة مجاورة، مروا من أمام منزله وأنزلوا حمولة كبيرة من الصيد كمساعدة، فشكرهم الرجل، والمفاجأة أن أجابه أحدهم: "نحن لا ننتظر كلمة شكرا، لأن ما نقوم به له مقابل، أي أن العمل الذي نقوم به نتوقع مقابله وعلى هذا نقيس أفعالنا"، والمفارقة هنا، حسب مفهومهم طبعا، أنهم كانوا لا يضربون كي لا يصنعوا كلابا بل يساعدون ليصنعوا عبيدا!

وتقول قصة أخرى من بداية القرن الماضي، إن إحدى الدول التي كانت تستعمر دولنا العربية، كانت تقدم المساعدات الطبية للنسوة بشرط أن يستمعن إلى محاضرة عما يسمونه "تبشيرا" قبل دخولهن على الطبيب! ورغم أن النسوة كن يمتثلن لمثل هذه الإجراءات غير الإنسانية، إلا أن ذلك لم يغير أي شيء بدواخلهن، فبقين مسلمات مؤمنات، وربما كن بينهن وبين أنفسهن يسخرن من هذا الأجنبي، ولكن خوفهن ولهفتهن على فلذات أكبادهن خاصة من كان يحتاج إلى المساعدة الطبية، جعلهن يتحملن تلك الوقاحة المغلفة زورا برداء الرحمة والإنسانية.

ولن أحتاج أن أعطي أمثلة كثيرة اليوم على من يشحذ باسم مساعدة الغير، كلا لا أعني من قطع يده ليشحذ عليها، بل من يقطع أيادي غيره ويشحذ عليها، ونساعد، لأن الكرم والإيمان والأصالة تمنعنا من الوقوف متفرجين دون تقديم العون لمن يطلب العون، لنستيقظ فيما بعد ونكتشف أننا وثقنا بفاسدين يرمون الفتات لمن يستحق بدولهم، ويصرفون الباقي على أنفسهم، هذا إن لم تُهرب الأموال إلى حسابات سرية، يعلم الله أين وباسم من انتهى بها الأمر!

الصحف العربية تخرج إلينا كل فترة وفترة بقصص مخزية عن هذه النوعية من البشر، أو من يفتح باب داره ليستقبل بنات الغير ممن جار عليهم الزمن، ليستدير ويتاجر بتزويجهن تحت حجة السترة، أو حجة مساعدة أسرهن الفقيرة أو المفجوعة، فيسلمونهن لكل منحط أو سافل مستغل، لا يهم من هو أو من أين أتى، ولا يهم مستوى أخلاقه، ولا يهم إن كانت سنه تتوافق مع من تصغره بقرن، المهم هنا إن كان يمتلك الثمن عدا ونقداً، وليأخذ الطوفان الفتاة وأهلها فوق البيعة، وما خفي من ممارسات أخرى أشد وأعظم، والعياذ بالله! وإليكم صورا حديثة قديمة من الرحمة والإنسانية؛ هذا يريد قلبا أو كلية أو قرنية أو أو أو... وذاك في وضع يرثى له من الفقر والحاجة، فأين تكمن الجريمة إن وفق بين رأسين بالحلال، أقصد بين أعضاء بشرية بالحلال؟! تجارة الأعضاء، تجارة البشر، وتجارة... شعوب، كلها صفقات تتم تحت لواء المساعدة!

ما هذه إلاّ جرائم أخلاقية، بل جرائم في حق كل حق وهبنا إياه رب العدل والرحمة سبحانه، ولكن ما يقهر أنها تقدم على أطباق من فضة وذهب تحت مسمى الرحمة والإنسانية، وفوق كل هذا وذاك.. يتوقع من المتلقي الشكر عن طريق الدفع المؤجل، طبعا بناء على ما تقتضي احتياجات واقع المعطي فيما بعد!

لماذا أسرد كل هذه المشاهد البشعة والمقززة؟! لأنه بالنسبة لي هذه مثل تلك! أي من يساعد بموقف أو بمساندة أو بمال أو بأي شيء كان معنويا أو ماديا، مبيتا النية، حتى ولو في عقله الباطني، بأن يتم رد ما قدمه وقت ما يحتاجه، فهو موقف بفظاعة وبشاعة كل ما ذكرت سابقا، وعليه فهو إنسان فاسد، تماما كمن يستغل طيبة الناس وحاجتهم للتطهر والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى عن طريق العطاء، بتلفيق قصص أو تضخيم أخرى، لابتزاز الكرماء حينا، وحيناً لجرهم إلى الشفقة ومعاونة السارد (ولنركز هنا على سارد القصة لا صاحب القصة)، لمجرد أن صاحب القصة قريب له أو من نفس البلد!