من الواضح أن الأحداث الكبرى لا يتوقف تأثيرها على الشارع وعلى العوام، بل تتجاوز ذلك لتمثل صدمة لمختلف التوجهات الفكرية الإسلامية والليبرالية والقومية والعروبية، وفي فترة تشهد تصعيدا لواقع ما غالبا ما ينتج بروز موقف فكري جديد، وفي التاريخ العربي رأينا كيف تحولت القومية العربية إلى إيديولوجيا محضة، اتخذت من المعايير المعنوية ترمومترا لقياس حضورها ونجاحها وأهملت الواقع وبالتالي كان مصيرها ذلك السقوط المدوي، بعد أن تمكنت من تدمير مقدرات كثير من البلدان العربية التي شهدت انقلابات عسكرية.

كان كل انقلاب عسكري بحاجة لمرجعية أو خطاب يستند عليه أولا في إثبات شرعيته، وثانيا في تحديد موقفه من غيره من القوى والكيانات. ذلك الواقع استجابت له فعاليات ثقافية ونخبوية واسعة في العالم العربي واستطاعت تصدير ذلك الخطاب وإعادة إنتاجه على أكثر من صعيد لكنها لم تلبث أن تكشفت عن واقع لا علاقة له بكل تلك الشعارات التي رُفعت طويلا. انتهت القومية العربية حين تحولت إلى أيديولوجيا فجة تؤمن بالشعارات أكثر من الواقع، فلا هي التي صنعت تنمية ولا هي التي أعادت وطنا سليبا، وها هي الآن لا يتم تناولها إلا وسط كثير من النقد والاتهام بأنها من أهم لحظات الخزي في التاريخ العربي الحديث، انتهت وتحول القوميون إلى مجرد حفنة من ذوي الشوارب العريضة من مرتادي المقاهي العتيقة تجدهم في بيروت والقاهرة وتونس وموريتانيا ، بعضهم وصل به الحال إلى أن يكون مؤيدا لما يقوم به النظام السوري الآن من قتل وتدمير بحجة أن ما يحدث ليس سوى مؤامرة على العروبة وأن ما حدث في ليبيا لا يجب أن يتكرر .

تأخذ الأيديولوجيا فعالياتها حين تتحول إلى قيمة منفصلة عن الواقع ترى نجاحها في مدى التزامها بما تؤمن به بغض النظر على الجدوى والفائدة التي تتحقق على الواقع، تماما كما يحدث في التدين حينما يتحول إلى أيديولوجيا إذ يبرز خطاب متشدد لا يحتمل الواقع فيدخل في مواجهة خاسرة معه.

التحولات التي عاشها الشارع العربي تبعتها تحولات أيديولوجية أيضا، وهي تكشف عن جانب يوضح تلك الكذبة الكبرى التي تقول إن المثقف يوجّه الشارع ويحدد هويته الثقافية، إذ يبدو أن هذه الرؤية لا تنتمي إلى الواقع كثيرا، فقد رأينا بعد الحادي عشر من سبتمبر كيف تحول الاعتدال والوسطية إلى مجرد عنوان تهافتت عليه كثير من التيارات الدينية لتثبت مناهضتها لذلك الحادث وما تبعه من تحولات، ردا على الأيدولوجيا الكبرى التي كانت نشطة قبل ذلك التحول، وهي الأيدولوجيات الإسلامية التي نشط خطابها المتطرف واستطاع أن يجتذب الكثير من الأتباع .

في ظل ثورات الربيع العربي وما أفرزه من تحولات، يبدو أن هناك أيديولوجيا جديدة تطل برأسها وتشهد اتساعا ورواجا لمفرداتها وإعلان الانتماء إليها والإيمان بها ، هي التي يمكن وصفها بالحقوقية.

من أبرز صفات كل أيديولوجيا ترفع مجموعة من القيم الرائعة والمهمة والمثالية جدا، لكن القضية أن درجة الإيمان بها لا ترتبط بالواقع ولا تقيم له اعتبارا ومن هنا تتحول إلى حالة من التشدد إن صح التعبير.

حقوق الإنسان والحريات والعدالة والمساواة والكرامة وغيرها هي العناوين السائدة الآن في ما بعد ثورات الربيع العربي، وتزدهر في لافتات المتظاهرين في الميادين العامة في مختلف العواصم، وتتردد كثيرا على ألسنة مذيعي نشرات الأخبار وفي لقاءات المحللين السياسيين ومرتادي مواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، لكن مختلف المؤشرات الآن توضح أن هذا الواقع يتجه لصناعة أيديولوجيا جديدة هي الأيديولوجيا الحقوقية.

فيما مضى كنا نردد أن الاختلاف مع متشدد ديني يمكن أن يذهب بك إلى كارثة في الحوار معه، وستأتيك الأوصاف التي لا تبدأ ولا تنتهي من اتهامك بالتغريب والعلمنة والليبرالية وزيارة السفارات، هذه الصورة تتكرر الآن مع الناشطين الحقوقيين، فاحذر أن تبدي رأيا لا يرحب بنتائج الثورات أو لا يرى ما حدث إلا أنه مجرد انتفاضات وانقلابات بين قوى سياسية تم توظيف الشارع لها، أو غيرها من الأفكار التي لا تقدم إيمانا كاملا بالثورات العربية، وستجد أنك في مواجهة صفات واتهامات تبدأ ولا تنتهي.

بدأ هذا الواقع الحقوقي الجديد لا يقيم وزنا للواقع، واتجه لتعليق تلك العناوين والإيمان بها بشكل مطلق دون أدنى اعتبارات، حتى في القضايا ذات البعد الإشكالي، فلم يعد من اللائق بالنسبة لكثير من الحقوقيين أن تطرح قضية الانتخابات والمجتمع ولا قضية الثقافة السائدة ومدى صلاحيتها للفعل الديمقراطي، والجانب الأبرز في هذا الواقع الجديد أنه ليس نخبويا ولا معقدا، بل هو سهل وعامي ويمكن ترويجه شعبيا خاصة أنه يدور حول فكرة الخصم الواحد، ولا يحمل بعدا دينيا في داخله يمكن أن يدعو بعضا للتحفظ عليه.

من الواضح إذن أننا أمام علة ثقافية كبرى يمثل التشدد واحدا من أبرز مفرداتها، بدليل أنه قادر على تقمص كل فكرة جديدة وتحويل إيمانه بها إلى أزمة.