أن تكون وحيدا على حافة العالم وتقفز!
مُجرد تأمل هذه الفكرة من بعيد مُفزع ومُخيف يرجف له القلب؛ بقدر الخوف من المجهول الذي ملأه الفضاء الأسود، وهو يُحيط بتلك الكبسولة؛ حين بدت ضئيلة كلما صعدت إلى الأعلى فالأعلى؛ كنتُ أتأمل الثواني؛ ثانية.. ثانية؛ كيف أكملها ساعتين ونصف الساعة؛ وقضاها "فيليكس" يصعد كي يسقط؛ أيصعد الإنسان كي يسقط! ترى بماذا فكّر وهو يقف وحيدا حيث لا أحد؛ لا صوت سوى أنفاسه؛ كي يحصل على تاريخ لسيرته في مناهج الفيزياء والفضاء والعلوم ومعلومات ستثري الأبحاث العلمية والطبية والفضائية بتحقيق قفزته الحرّة!
لن أتحدث عن الإنجاز؛ فالحدث يُغني عما يُمكن أن يكتبه أمثالي بعد أن انقضى عباس ابن فرناس وبات تاريخا في حياتنا نحن المسلمين لا العرب؛ فقد كان أمازيغي الأصل لا عربيا؛ لكني سأتأمل تلك اللحظة المدهشة الغارقة في الذهول حين ظهرت الكرة الأرضية تحت قدميه بلقطة الكاميرات الحساسة جدا في كبسولته؛ لحظة كان فيها على حافة العالم وهو يبلغ قمة العالم؛ ليقول عنها ببساطة للصحفيين بعد هبوطه "هناك عند قمة العالم؛ نشعر بتواضع كبير؛ لا نفكر في تحطيم أرقام قياسية ولا الحصول على معلومات علمية؛ الشيء الوحيد الذي نتمناه هو العودة حيا"؛ ترجمة بليغة لفكرة طالما تدق رأسي وأعرفها كلما أوشكت طائرة أسافر على متنها الهبوط؛ وأعلم كم هو شيء تافه أن نكون في طائرة أمام "فيليكس" الواقف على حافة العالم؛ لكن إلا ما تجعلني أبتسم وأنظر من النافذة لأرى المدن صغيرة والناس أكثر ضآلة كأنهم يشبهون نملا يسعى؛ فيما "فيليكس" كانت الكرة الأرضية تحت قدميه، ولم يكن للناس وجود ولا لبيوتهم ولا ناطحاتهم ولا حتى حدود مدنهم؛ فقط شيء من يابسة وشيء من ماء وفضاء واسع حالك؛ لم نكن صغارا حينها تحت كبسولته!! بل كنّا عدم ! كتلك الخلايا الضئيلة التي لا تُرى بالعين المجردة ونطاردها تحت المجهر في مختبراتنا؛ يتابع فيليكس للصحافيين"يجب الصعود عاليا جدا لنعرف كم نحن صغار"! ياااه كم عميقة وكم ضيعها كثيرون من العرب حين يقفز الواحد منهم من منصب إلى منصب مرة بمجاملة ومرة بالمال! ثم يطغى جدا في مجتمعاتنا!! يتكبر جدا! يُمارس دكتاتورية إدارته وقراراته وكأنه بلغ رأس العالم!! فيما لا يكاد يتعلم شيئا من تلك الخلايا التي يطاردها الآخر في مختبراته!
حتما فيليكس أضاف لكل منّا تجربة بلحظته تلك؛ عن نفسي حين هبط وهبطت معه عيناي وأنفاسي كما الملايين؛ مُنهيا مغامرته التي كانت ربما تنتهي إلى أن ينفجر دماغه أو يغلي دمه بخطأ صغير؛ أدركت وتعلمت شيئا جديدا أقوله بصراحة؛ هو :أن الموت لا ينتظر مغامرة كي ينقض علينا؛ فلهذه الحياة مغامرة؛ وكما يقول الروائي والمسرحي الإنجليزي ديفيد لورانس"الحياة رحلة إلى حافة المعرفة ثم قفزة "!