قبل عام توفي رئيس شركة آبل المعروف ستيف جوبز، مما شكل صدمة آنذاك للكثير من معجبيه ومن عشاق منتجات الشركة حول العالم. لاسيما والرجل توفي في منتصف الخمسينيات من عمره متأثراً بسرطان البنكرياس وهو لا يزال في قمة عطائه وأوج تألقه ونجاحه، فقد كان واحداً من أكثر الرجال الذين يرى فيهم الشباب من محبي التقنية ورواد الأعمال قدوة ومثلاً يُحتذى به، وتقرأ سيرته التي كتبها والتر إيزاكسون قبل وفاة جوبز لاستلهام العبر منها، ليس حول النجاح فقط وإنما على النجاح بامتياز وتفوق وإبهار. فأي رجل كان ستيف جوبز كإنسان؟ وما هو الدرس الأهم الذي يستفاد من قصة حياته؟
الذين قرأوا الكتاب الذي تحدث بالتفصيل عن جوانب دقيقة من حياته كانت مخفية عن الأشخاص الذين لا يتعاملون معه مباشرة، انقسموا بشكل عام إلى قسمين: قسم ازدادوا إعجاباً بالرجل وقرروا أن يحذوا حذوه، وقسم آخر صدموا مما قرأوا وأقسموا في سرهم على أنهم لن ينهجوا أبداً نهجه. وفي مقال مطول ومتميز للكاتب بن أوستن في مجلة وايرد، يطرح الكاتب هذه الإشكالية والتباين في وجهات النظر وطارحاً السؤال: هل تريد فعلاً أن تصبح مثل ستيف جوبز؟ وتصدرت صورة معبرة غلاف العدد، إذ تصور جوبز وقد رسم أحدهم قرني الشيطان على رأسه فيما رسم آخر الشارة الدائرية والتي ترمز للملاك في الثقافة الغربية في محاولة لإبراز هذا التباين الشديد في شخصيته وفي نظرة الآخرين إليه. فقد كان بوذياً يؤمن بالتواضع والسلام للجميع، وفي الوقت نفسه كان طاغية مع أسرته وموظفيه..كان عبقرياً فريداً من نوعه، وفي الوقت نفسه كان أحمق..وقصة حياته مصدر إلهام للبعض وموعظة تحذيرية للبعض الآخر، ولا شك أن الأشخاص المتفردين، جمالاً أو قبحاً، هم الذين تنقسم حولهم الآراء، ويظل الناس يتحدثون عنهم سنوات طويلة وقروناً عديدة بعد وفاتهم.
ولد جوبز لأب سوري وأم أمريكية، رفض والداها زواجها بهذا العربي المسلم المهاجر، فقامت بإعطاء ابنها لعائلة جوبز التي تبنته، ومع ذلك فقد التقى ستيف أمه لاحقاً وتواصل معها ومع أخته التي أنجبها الأبوان بعد اجتماعهما من جديد وزواجهما ثم افتراقهما للمرة الثانية بينما ظل رافضاً لرؤية والده الحقيقي أو التواصل معه بأي شكل حتى آخر يوم من حياته، ويبدو أنه لم يغفر له أبداً ما يعتقده من تخليه عنه. لكن هل كان ستيف نفسه أفضل من أبيه مع أطفاله؟ لسنوات ظل ينكر أبوته لابنته ليزا قبل أن يعود للاعتراف بها. وكان يهمل أطفاله الأربعة بالعموم وسط انشغالاته، مقدماً العمل وتحقيق الإنجازات بشكل شبه كلي على الأسرة، وهو الذي دفع أحد معجبيه السابقين للقول بأنه: "إذا كنت ستفشل في أمر ما.. فلتفشل في بناء الآيباد.. لكن لا تفشل في بناء أطفالك!".
وإذا انتقلنا إلى بيئته في العمل سنجد أنه كان رئيسياً لا يتمنى أحدنا أن يكون تحت إمرته. فقد كان عصبياً وبذيء اللسان، لا يتوانى عن تحقير الرجال مهما بلغت مكانتهم أو أعمارهم، معتبراً بأنهم حمقى وفاشلون وفضلات بشرية إذا لم يعجبه عملهم من برمجة أو تصميم أو أداء ما. كانت هذه على ما يبدو طريقته في التحفيز ليأتوا بشيء أفضل، كان معاييره عالياً جداً، وكان يغضبه ألا يكون الآخرون على نفس المستوى من الالتزام أو الرغبة في الإبداع، وكان شعاره: امض معي فيما أراه أو ابتعد عن طريقي! هذا الإصرار على أنني محق طوال الوقت يراه البعض دليلاً على الثقة بالنفس والالتزام بالرؤية والأهداف فيما يراه غيرهم تعصباً وديكتاتورية وتهميشاً للآخرين. لا يفهم أحد لماذا يحتاج رجل بهذه الدرجة من الذكاء والإبداع والنجاح إلى أن يلقي باللائمة دوماً على الآخرين حين يفشل مشروع ما؟ ولماذا يسمح لنفسه بسرقة أفكار موظفيه ونسبها لنفسه دون أدنى درجة من تأنيب الضمير؟
ولا شك أن الناجحين معرضون أكثر من غيرهم للوقوع في فخ الغرور والتحول لأشخاص بغيضين إن تمادوا، ولم يكن جوبز استثناء، فمعاملته الخشنة للناس استمرت حتى خارج العمل، فقد ثار وصرخ على عاملة عجوز في مقهى لأنها لم تحضر عصيره المثلج كما يجب!
لا يستطيع شخص أن ينكر الأثر الذي تركه ستيف جوبز على عوالم التقنية والأعمال والإدارة والإبداع والأفكار الخلاقة عبر شركتي آبل وبكسار، وهناك الكثير من المحاضرات في الجامعات التي تدرس طلابها أسلوب جوبز وفكره وإبداعه باعتباره واحداً من أكثر الأشخاص تأثيراً على عالمنا في الربع الأخير من القرن العشرين، وقد لا يكون هؤلاء معنيين بذكر شيء من التفاصيل الشخصية عن حياة الرجل، وربما سيذكرها آخرون ويرونها ضريبة لا مفر منها للنجاح. وسيرددون بأن كل العظماء الذين خلدهم التاريخ بعد وفاتهم كان في شخصياتهم من النقص ما كان في شخصية جوبز، والتاريخ معني بأعمالك لا بشخصك وأخلاقك.
سيكون في كلامهم الكثير من الصحة، لكن السؤال الذي يُطرح هنا على المستوى الشخصي، فيما لو أردنا نحن أيضاً الاستفادة من قصة مؤسس آبل، هل نريد بالفعل النجاح مهما كان الثمن؟ وأيهما أهم: أن أغير وجه العالم أم أن أكون حاضراً في حياة أسرتي؟ وهل سنكون أكثر سعادة بتخليد أسمائنا في سجل التاريخ بعد موتنا أم بأن نحيا حياة طيبة نحسن معاملة الناس فيها بغض النظر عن مستوانا ومستواهم؟ هل يجب على الإنسان فعلاً أن يختار فيما بين أخلاقه ونجاحه؟
الوصول إلى التوازن بين كل هذه الأمور ليس أمراً سهلاً، بل هو لب جهاد الإنسان مع نفسه في هذه الحياة: كيف نحيا حياة تقتبس من أخلاق النساك دون أن نحيا حياتهم الزاهدة في كل شيء، وكيف نحقق نجاحات باهرة تستلهم من سير الناجحين دون أن نقايض ذلك بأخلاقنا وقيمنا وعلاقتنا بمن حولنا.