كنت قد كتبت قبل ثلاث سنوات مطالبا بإيجاد (كتيب يعنى بالمسائل الفقهية للسائح) أو فقه للسياحة، يومها انتقدني الكثير لأني أشجع على السفر وعلى توسيع الرخص! وبعدها كتب الكثير عن هذا الموضوع بل نوقش في بعض الدوائر الفقهية لكن بدون نتاج على حد علمي.
واليوم أصبحت السياحة صناعة مثل الصناعات الأخرى المهمة والرئيسة في اقتصاديات الدول، وصارت مدخولات بعض البلدان تعتمد عليها اعتماداً كلياً، فهل آن الأوان أن ننظر لمفهوم السياحة شرعياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً من منظور الواقع المعاش، والضرورات التي تواجه الناس، ولا يقتصر الأمر على وجهات نظر مضادة، تم اتخاذها في فترات محددة، ولظروف مختلفة تغيرت اليوم بواقع تغير الزمان والمكان، واستجدت أمور كثيرة خاصة بالسائح المسلم سواءً في البلدان الإسلامية أو الذين يسافرون للسياحة في دول أجنبية؟ لاسيما بعد التطوارات التي تتعلق بالزي والنقاب!
وهل آن الأوان أن نؤسس لفقه سياحي يعرف السائح المسلم بالكثير من الأمور الشرعية التي تواجهه من تيسير للعبادات وتسهيل للمعاملات وتحذير من الوقوع في الأخطاء الشرعية والأخطار العقائدية، والزلات الأخلاقية؟
أليس من الأفضل أن يتولى العلماء والفقهاء اهتماماً بما يمكن تسميته بـ"الفقه السياحي" بدلاً من تجاهل الأمر تماماً واعتباره كأن لم يكن، أو اللجوء إلى فتاوى تحرم أو تجيز السفر للخارج لأخطاره وإشكالياته، في الوقت الذي يسافر فيه الملايين سنوياً في فصل الصيف، وتنفق فيه المليارات في السياحة بالخارج؟
وإذا نظرنا للسياحة السعودية للخارج أو الداخل من منظور اقتصادي نجد أهمية هذا القطاع، فالسفر للخارج يكلف السعودية أكثر من 14 مليار دولار سنوياً طبقاً لإحصاءات وبيانات الغرفة التجارية، وأن 75% من سكان السعودية مواطنون أو مقيمون يخططون للسفر في كل موسم صيف سواء إلى داخل المملكة أو خارجها، وما إن تبدأ الإجازة إلا ونجد الأغلبية يبدؤون في حزم حقائبهم إما للسفر إلى الخارج أو الداخل في اتجاه المدينة المنورة أو مكة المكرمة والطائف وأبها والشرقية، أو بعض الدول العربية مثل مصر ولبنان وسوريا والأردن والمغرب أو إلى إندونيسيا وماليزيا ودول شرق آسيا وأوروبا.
وإذا كانت الهيئة العليا للسياحة في المملكة لديها خطط طموحة في الارتقاء بهذا المجال الحيوي والهام واستطاعت الارتقاء بالسياحة الداخلية وجذب الانتباه إليها، فإن وكالات السفر وشركات السياحة تقدم برامج مليئة بالإغراءات للشباب والأسر السعودية للسفر.
أما من المنظور الشرعي فإن معظم الفتاوى الصادرة من العلماء والمشايخ وطلبة العلم تصب في اتجاه واحد وهو عدم إجازة السفر للخارج في الصيف، وتحريم هذا الأمر بسبب الأضرار التي تقع على بعض الأسر والمنزلقات الشرعية الخطيرة التي يقع فيها الشباب.
ولكن لماذا لا ننظر للأمور بمنظار شرعي فقهي يصب في الإرشاد والتوجيه الذي يتجاوز كلمة المنع والتحريم الى الغوص في أعماق المشكلات وإيجاد الحلول لها.
إن ذهنية التحريم والقطع لكل شيء هي بمثابة الهروب من المشكلة التي تحتاج إلى الكثير من الإبداع والحث والاجتهاد الفقهي الذي يمكن أن يرهق بعض العقول ويقلق الجمود الفقهي.
ولعلي أكرر النداء هذه المرة إلى صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز رئيس الهيئة العليا للسياحة والآثار عله أن يكون أسرع في تبني مشروع كتيب فقهي يحمل أهم إشكالات السائح في الخارج ويتضمن آراء الفقهاء في واجبات المسلم ورخصه في السفر.