ختمت المقال السابق بأن هذه المقالات مكتوبة للمعلمة والمعلم الذين يجدون إشكالا في العلاقة التقليدية مع طالباتهن وطلابهم. أو ربما يرونها علاقة غير إنسانية وتعاني من إشكالات أخلاقية ومعرفية متعددة. هي مقالات لم يرد أن يدخل مدرسته دون أن يتورط في علاقة استبداد مع أحد. لا يريد أن يحوّل أفكاره أو أفكار المدرسة إلى خيار أوحد أمام الطلاب. لا تريد هذه المعلمة أن تصادر حرية طالباتها في اختيار نمط وطبيعة حياتهن في المستقبل. هذه المقالات لمعلمة تعتقد أنه من الخطأ الكبير للمعلمة أن تدخل المدرسة وفي يدها مخطط منجز لمستقبل طالباتها. هذه المعلمة وذلك المعلم باختصار يرفضون الدور التقليدي للمعلمة والمعلم. الدور الذي تمارس فيه المعلمة دور حاملة الحقيقة وملقنتها لطالباتها. هذا الدور لا يفهم الطالبة أو الطالب إلا أنه موضوع للمعرفة المنجزة في المجتمع وتملكها المعلمة. أي إن الطالبة هنا تقوم بدور سلبي استقبالي مما يضعنا بحسب بوبر في علاقة "الأنا- الشيء" الطرف الآخر من هذه العلاقة مسلوب الحرية مما يحوله شيء مسلوب الإنسانية. هذه المقالات لفهم هذه العلاقة وللتخلص منها. في البداية فلنلق بعض الضوء على الخلفيات الفلسفية والفكرية للتعليم التقليدي.
أولا التعليم المثالي ونموذجه هنا أفلاطون. أقصد بالمثالي هنا التعليم الذي ينطلق من فكرة وجود مثل كاملة يسعى التعليم لتحقيقها. لهذا الخط طرف ديني وطرف فلسفي سأبدأ هنا بالفلسفي وأفلاطون تحديدا. يمكن القول إن طبيعة العلاقة بين المعلم والمتعلم عند أفلاطون هي علاقة القائد والتابع. المعلم (الفيلسوف) هو شخص قد رأى الحقيقة وعاد ليقود طلابه لها. أسطورة الكهف توضح هذا الدور بشكل جميل. في بداية حديثه عن قصة الكهف يوضّح سقراط أنه سيحكيها "لمقارنة تأثير التعليم علينا وأثر غيابه على طبيعتنا". تبدأ أسطورة الكهف بمجموعة من الأشخاص يعيشون في سكن يشبه الكهف له مدخل وحيد بعيد هو المنفذ الوحيد للنور. يخبرنا سقراط أن هؤلاء الناس كانوا في الكهف منذ طفولتهم المبكرة. هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون رؤية إلا ما أمامهم ولا يستطيعون الالتفات للخلف بسبب قيود على أيديهم وأجسادهم تمنعهم من الحركة. خلفهم أشخاص يحملون تماثيل من بشر وحيوانات من خشب وحجارة وبسبب الضوء المتسلل من مدخل الكهف فإن الأشخاص المقيدين في الكهف يرون ظلال هذه التماثيل أمامهم على جدار الكهف. الأشخاص في الكهف بحسب أفلاطون يمثلون جميع البشر المقيّدين بجهلهم وهم لا يعلمون. نتيجة لهذا فهم يشاهدون ظلال الأشياء ويحسبونها الحقيقة. الطالب بحسب هذا الفهم يدخل المدرسة بجهله وقيوده ويحتاج من يقوم بفك هذه القيود وإرشاده إلى طريق النور والخير والحقيقة. نلاحظ هنا أيضا أن أسطورة الكهف تخبرنا أن الناس/الطلاب لا يحضرون فقط بجهلهم بل بوعي مزيف فهم يعتقدون أن ظلال الأشياء هي حقيقتها. القصة تستمر بأن يستطيع أحد هؤلاء التخلص من رباطه ليتمكن من الالتفات ورؤية الصورة الكاملة. أول ما سيشعر به، ألم في عينيه اللتين لم تعتادا على رؤية النور من قبل. هذا الألم هو ألم تحصيل المعرفة أو الثمن الذي يجب أن ندفعه. لاحظي هنا أنه في التربية الحديثة التعلّم يجب أن يكون ممتعا لا مؤلما. في المقابل التربية التقليدية تقوم على فكرة الصراع والمعاناة التي يجب المرور بها للتخلص من قيودنا وجهلنا لننطلق في ضياء المعرفة. يستطيع هذا الشخص بعد معاناة من تحمّل النور والخروج بالتالي من الكهف ليتعرف على الحقيقة كما هي في الخارج ولكنه يشعر بقوّة أن عليه واجب مساعدة الآخرين في الكهف. هنا تحيلنا القصة على دور المعلمة أو المعلم الملتزم. المعلمة التي تعتقد أنها مسؤولة عن إخراج طالباتها من الظلام إلى النور أو باختصار من ما تعتقد هي أنه الظلام إلى ما تعتقد هي أنه النور. نلاحظ هنا أن الطالبة أو الطالب في هذه العلاقة مجرد جاهل يجب اقتياده للخارج أو عودة على بوبر وتصنيفه للعلاقات يبقى الطالب/ـة مجرد موضوع لإرادة المعلمة ومعتقداتها الخاصة.
يستمر أفلاطون في سرد الحكاية على لسان سقراط ويقرر المتنوّر، الفيلسوف، المعلم العودة إلى الكهف ليساعد الآخرين للخروج من الظلام. في هذه المهمة مصاعب كثيرة أهمها أن هذا المعلم سيواجه بسخرية ورفض حاد من الأشخاص في الكهف. ليس من السهل ولا من المقبول على الأقل في البداية أن يواجه الناس حقيقة جهلهم والخدعة الكبرى التي يعيشون فيها. تختلف مواقف الناس في هذا الموقف. البعض يرفض كل هذا، الآخر يدرك فعلا جهله ولكنه يختار البقاء فيه تجنبا لمغامرة التغيير، البعض الآخر يقرر فعلا خوض المغامرة ويبدأ طريق البحث عن الحقيقة.
علاقة القائد/التابع لم تكن فقط فكرة في خيال أفلاطون وجمهوريته المثالية بل تحققت واقعا في التربية عند الإغريق والأمم اللاحقة لهم. الانطلاق من جهل المتعلم علامة واضحة في التربية التقليدية نعثر عليها في التعليم النظامي وفي التربية الأسرية المباشرة. أغلب سلوكياتنا مع الأطفال تنطلق من فكرة "الطفل لا يعرف شيئا" وبالتالي نسخر من أسئلته ولا نعيرها بالا. حين نريد إخباره بشيء لا نراهن على فهمه بل على حفظه وعلى قدرته على ترديد ما تم تلقينه. انطلاقا من فكرة أن الطفل لا يعرف شيئا يجعل من الحوار معه أمرا سخيفا ومضيعة للوقت. الطفل هو مجرد استثمار نريد أن نحقق فيه ما نؤمن به. تجربته الخاصة لا تعني شيئا مقارنة على ما تم التعارف عليه في المجتمع على أنه التجربة الحقيقية. في حكاية الكهف كما في تربيتنا التقليدية يبدو الطفل مسلوب الإرادة ومجرد تابع يتم اقتياده لما نعتقد أنه النور والحق. إنه شيء نتعاون جميعا لإعداده كما نريد. هذه العلاقة لا أخلاقية فهي تتعامل مع الطفل كوسيلة لا كغاية.