تعرض دوري كرة القدم الأميركي لسيل من الانتقادات الإعلامية مطلع الأسبوع الماضي، وذلك بعد قيامه بدوره بدعم سرطان الثدي خلال شهره "الزهري"، بحيث أصبح الدوري مطعما بكل ما هو زهري اللون. هذا الدعم لقضية سرطان الثدي لم يتوقف عند ملابس اللاعبين والحكام والمدربين والكرات التي تحمل الشريط الزهري وإنما تجاوز ذلك لمنتجات عديدة زهرية اللون، تباع عن طريق متجر الدوري لجميع الأعمار للسنة الرابعة على التوالي. سيتم عرض ملبوسات اللاعبين والكرات وكل زهري على أرضية الملعب في مزاد علني بعد نهاية شهر أكتوبر ليعود ريعه لبحوث جمعية السرطان الأميركية، أما مبيعات المنتجات فكانت محل جدل إعلامي محتدم مما اضطر المتحدث الإعلامي لدوري كرة القدم الأميركي للإدلاء بتصريح تفصيلي يكشف فيه مبكرا عن الرسوم الإدارية لبيع المنتجات الزهرية.

معضلة الاستفادة من الأمراض وشهورها تعود للضوء كل عام لتلقي بظلالها على حقيقة التوعية والتثقيف الصحي، فما إن يقترب شهر أكتوبر من كل عام حتى يتسابق الكل للتسويق عن منتجاته، بما في ذلك جمعيات سرطان الثدي الخيرية والقطاعات التجارية والحكومية التابعة لها. جميل أن تتزين الأرض بلون زهري يبعث التفاؤل ولكن الأكيد أن الملبوسات والأشرطة لا تتناسب كثرتها وانتشارها مع مقدار الوعي الصحي بسرطان الثدي، فتقارير جمعيات سرطان الثدي الخيرية فشلت وما زالت تفشل في تقديم التقارير عن التغير في الوعي المجتمعي بشكل كمي، ومازالت ضبابية في الكشف المبكر عن قوائمها المالية وعن أوجه صرف التبرعات وعوائد بيع منتوجاتها الزهرية، وما زالت عاجزة عن لمس الاحتياج التوعوي لسرطان الثدي.

جمعيات سرطان الثدي الخيرية المحلية تقوم بقياس إنجازاتها الـ"توعوية" بعدد المنشورات والأشرطة الزهرية والإعلانات الإعلامية في قصور واضح في فهم أن الاطلاع على المعلومة لا يعني الاحتفاظ بها وممارستها، وأن التوعية الحقة هي التي يتم عكسها بمعايير مجتمعية كمية واضحة خصوصا إذا ما علمنا أن المنشورات غالبا ما تعود للمخازن ليتم إتلافها وإتلاف فتات التبرعات معها.

الرسالة هي ذاتها في كل عام، الكشف مبكرا، ولا خلاف على أهميته، ولكن ماذا قدمت لنا هذه الجمعيات الخيرية لمعرفة مقدار فاعلية نشاطاتها؟ ماذا قدمت لنا لمعرفة أسباب عزوف بعض النساء عن الكشف المبكر؟ ماذا قدمت لنا كمهارات مجتمعية لنشر الوعي عن الكشف المبكر؟ ماذا قدمت لنا عما هو متوافر لكل مدينة ومنطقة من خدمات وقائية وعلاجية، غير عياداتها اليتيمة والتي تصر على إظهارها بأنها الوسيلة الوحيدة وتتجاهل القطاعات الصحية الأخرى في محاولة لاستدرار عطف التبرعات؟ ماذا قدمت لسرطان الثدي كمنبر مجتمعي لإيصال صوت الاحتياجات الوقائية والعلاجية، عدا التبرعات، للمسؤولين وصناع القرار؟ ماذا قدمت لمريضات سرطان الثدي الحاليات والناجيات سوى استخدامهن إعلاميا لجمع التبرعات ومن ثم ركنهن للعام الذي يليه؟ ماذا قدمت هذه الجمعيات لدعم بحوث سرطان الثدي المحلية وهي القادرة على إنتاج خط مبيعات زهري خاص بها؟

قامت جمعية مدنية في الولايات المتحدة الأميركية بحملة أسمتها "فكري قبل أن تزهري"، وهدفها توعية المجتمع وأفراده بشفافية كاستجابة لكثرة الجمعيات والقطاعات المختلفة التي تستخدم شهر أكتوبر للتسويق لمنتوجاتها الزهرية وجمع التبرعات من دون إيضاح لأوجه صرفها. تقوم رسالة هذه الجمعية على التوعية بالأسئلة الرئيسية قبل التبرع لصالح سرطان الثدي وهي: هل سيقوم التبرع بدعم برنامج لسرطان الثدي، وإن كانت الإجابة بنعم، فما مقدار الدعم؟ وما هي المنظمة أو القطاع الذي سيستفيد من التبرع، ومدى قدرتها وتأثيرها في الحد من سرطان الثدي؟ هل هناك حد أقصى للتبرعات التي ستقدمها المحلات والشركات صاحبة المنتجات الزهرية، وإن كانت الاجابة نعم، فما هو الحد وكم نسبة تغطيته؟ والسؤال الأخير والمهم: هل تساهم هذه المنتجات أو قسائم تخفيضها التي تقوم بتزويدها الجمعيات الخيرية، كالحلويات والمطاعم السريعة على سبيل المثال بتعريضك لأحد العوامل المؤثرة في سرطان الثدي كالسمنة؟

ما يعانيه الأفراد مع الجمعيات الخيرية عامة وجمعيات سرطان الثدي خاصة يكمن في الثقة أولا بها، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون تقارير سنوية شفافة علمية تحمل منجزاتها بشكل كمي وتعرض قوائمها المالية. السبب الآخر هو عجزها عن التطور، فهي ما زالت عالقة في مرحلة التوعية البدائية من دون فهم للمجتمع وتركيبته الديموجرافية.

الخوف من سرطان الثدي ومحاولة تخفيفه بالتوعية هو الأساس لكل هذا الحراك الزهري، وهو حراك صحي متى ما اكتمل الشريط بطرفيه التوعية والحقيقة.