تلقيت مشكوراً خلال هذا الأسبوع من الأمير الوليد بن طلال، ملفاً يحتوي على تقارير اقتصادية من سيتي للأبحاث (CITI RESEARCH)، إضافة إلى تقرير أعدته إدارة الأبحاث الاقتصادية بشركة جدوى للاستثمار، ودراسة ثالثة أعدها مركز البحوث والدراسات البريطاني جاثام (CHATHAM HOUSE)، وفيما أعلم، فإن الأمير الوليد بن طلال قد بعث بنسخ عديدة من هذه التقارير إلى عدد من الشخصيات التنفيذية والنافذة في المملكة؛ لإطلاعها على مجمل التوقعات التي تستقري مستقبل النفط في المملكة، ومعلوم أن تقرير مجموعة "سيتي جروب" الأمريكية، والذي أطلقته قبل أسابيع قد أثار عددا من نقاط الجدل حول أن المملكة قد تصبح بلداً مستورداً للنفط بحلول عام 2030 في حال استمر استهلاك النفط محلياً بنفس وتيرته المتصاعدة حالياً، وقد تتابعت التحاليل والرؤى الاقتصادية المتباينة بين مؤيد وآخر متحفظ، ومع الاحترام لكل الرؤى التي طرحت إلا أن الأمر يقتضي مزيداً من البحث والدراسة وفق نظرية جدية تتحوط للاحتمالات الأسوأ، خاصة في بلد ما زال النفط مصدر دخله الوحيد، بما يحتم علينا إعادة النظر في سياسة الاستهلاك المحلي للنفط ومشتقاته، والتي تميزت بزيادة سنوية مطردة تقود لاستنزاف هذه الثروة خاصة أن جانباً كبيراً من هذه الزيادة يدخل في دائرة الإسراف الملحوظ في الطاقة الكهربائية مع حجم الزيادة السكانية والحاجة الماسة لاستخدام التكييف مع ضعف أساليب العزل الذي يسهم في هذه الزيادة، مضافاً إلى ذلك الإسراف الواضح في استخدام الإضاءة الكثيفة في الشوارع والمخططات العقارية غير المؤهلة، وعدم استخدام خاصية خلية الضوء (PHOTO SIL) التي تؤدي إلى إطفاء الأضواء تلقائياً بمجرد بزوغ ضوء الشمس، مضافاً إلى ذلك أن الدعم الذي تقدمه الدولة لأسعار الطاقة يجب أن يقتصر على الأفراد المحتاجين فعلياً لهذا الدعم على حين يجب وضع آلية تسعير مغايرة للكيانات الاقتصادية الكبرى التي تتحصل على أسعار متدنية لا تتناسب مع حجم الهدر الذي يتسرب من هذه الطاقة النادرة.

إن إطلالة جوية من نافذة الطائرة كمثال على مدينة الرياض أو جدة في الليل توحي للراكب كما لو أنه سيهبط في مدينة "لاس فيغاس" التي تمارس حياتها الصاخبة ليلاً، والتي يدفع قيمة شموس إنارتها وكشافاتها جموع المقامرين الذين يبذلون أموالهم على طاولات الروليت الخضراء ويعود خراج هؤلاء السواح للمدينة. لكننا في مدننا "نقامر" بهذه الثروة الناضبة بلا مردود وفي بلد اقتصاده ريعي، وإذا كان الاستهلاك الكهربائي يشكل حيزاً كبيراً في هذا الإسراف، فإن أسعار المحروقات المتدنية تشكل حصة معتبرة في هذا الجانب. وبلا شك فإن أي مراقب عابر سيلحظ أن كمية استخدام السيارات قد زاد على نحو صار ملموساً في الطرق المزدحمة، والتي لم تعد تقتصر كما في السابق على أوقات الذروة التي تبدأ صباحاً مع انصراف الناس لأعمالهم ومدارسهم، ثم عودتهم منتصف النهار إلى منازلهم، لكن مع تخفيض أسعار وقود السيارات الذي جرى قبل سنوات قليلة فإن معدل السيارات التي تنهب الطرق زاد بشكل ملحوظ حتى صارت كل الأوقات ذروة وزحمة، وذلك جاء بسبب لجوء عدد كبير من الوافدين لاقتناء وشراء السيارات وما نتج عنه من زيادة في استهلاك الطاقة محلياً، وبالطبع فإنه ليس من الوارد العودة للأسعار السابقة ورفعها بعد خفضها لكن الآمال معلقة خلال السنوات الأربع القادمة أن تكون مشاريع النقل العام (قطارات وحافلات المدن) قد دخلت بصورة جدية وإيجابية، لتكون عوناً للكثيرين لترك الاعتماد على السيارات، واللجوء إلى التنقل بواسطة قطارات الأنفاق أو الحافلات المنظمة، خاصة في أوساط الوافدين وذوي الدخول المتدنية، كما أن توقيع المملكة لعدد من الاتفاقيات بالتعاون مع عدد من الدول المتقدمة من خلال مدينة الملك عبدالله للطاقة النووية والمتجددة يجعلنا نتطلع لافتتاح أول مفاعل نووي سعودي للطاقة السلمية والذي يستهدف في مداه البعيد تقليل الاعتماد على الغاز والنفط والاستجابة للطلب المحلي المتفاقم للطاقة الكهربائية. ومعلوم أن المملكة تستهدف بناء 16 مفاعلاً نووياً للطاقة البديلة، بحيث يخفف من شدة الاستهلاك المحلي للنفط، والذي تتوقع "سيتي جروب" أن يصل خلال عام 2030 إلى أكثر من ستة ملايين برميل.

وكان تقرير لشركة "جدوى للاستثمار" الذي صدر في منتصف العام الماضي قد أشار إلى أن تفادي هذه التداعيات يقتضي تبني إصلاحات صارمة فيما يتعلق بسياسة الدولة حيال أسعار الطاقة المحلية مع السعي الجاد لتطوير مصادر الطاقة البديلة، خاصة الطاقة النووية والطاقة الشمسية أيضاً فمع احتمالات عودة العراق تدريجياً لرفع طاقته الإنتاجية بما يقود إلى تغيير قواعد لعبة الإنتاج في منظمة الأوبك، فإن تداعيات ذلك ربما تؤدي إلى خفض حصة المملكة الإنتاجية، وتغير ميزان القوى داخل المنظمة، كما أن هناك عاملا آخر قد يؤثر في تغيير المسار، وأعني ما تسهم به التطورات التقنية الجديدة من تحويل الغاز الحجري (SHALE OIL) إلى مصدر محتمل للطاقة وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي ارتفع إنتاجها بحسب دراسة جدوى للاستثمار من الغاز الحجري اثنا عشر ضعفاً مقارنة بمستواه قبل عشر سنوات، وهو الذي يرجى أن يكون طاقة بديلة للنفط وهذه المخاطر مجملة هي التي تعزز لدينا ضرورة تخفيض حدة اعتمادنا على النفط كمصدر وحيد للطاقة إلى جانب أن ترشيد استهلاكنا للنفط يجعلنا في مأمن من المخاطر كما سيقلل من مخاوف الغرب والعالم وسعيهم الجاد للبحث عن بدائل للنفط الذي هو حتى الآن ورقتنا الأقوى التي تؤمن لنا المكانة السياسية دولياً، وتجعل لنا هذه السطوة الاقتصادية التي نتقلدها بين دول العشرين، فلا يجب ـ والحال كذلك ـ أن نسرف دون أن نحسب للمستقبل الذي يضمر كل الاحتمالات.