حجّ بنا أبي وأنا ما زلت في الجامعة، لم تكن نيتي خالصة للحج أكثر مما هي للسفر، أول مرة أرى المناسك وأم القرى وأنا في العشرين. ثم حج بنا مرة أخرى بعدها بسنتين وكذلك كنت مخلصا للرحلة أكثر من إخلاصي للحج.

أفكر في الحج، أنا وأسرتي بعد عام من الآن، لكنني متضايق من أنهم سيفصلون بيننا من لحظة خروجنا من البيت، فلا حج إلا في حملة، ولا حملة إلا وتفصل النساء عن الرجال في الطريق وفي المشاعر، فكيف سيتذكر أفراد أسرتي أني أتيت بهم مكة حاجا كما فعل الذين قبلي؟

لا أتخيل أن أكون في مخيم مليء بالرجال يأكلون ويشربون ويدعون جماعات وفرادى وزوجتي في مخيم آخر مع نساء يفعلن ذلك ثم لا نلتقي إلا في الشوارع!

أنا كغيري لا أملك مالا يؤهلني لاستئجار خيمة مفردة لي ولأهلي معا. فكيف أفعل لأعيش الشعيرة مع أسرتي؟

إن هذه الحملات علاوة على يباسها وجفاف ضلوعها وأصحابها فهي أيضا باهظة وتشفط جيوب الحاج. وصار من الواضح أن غلاء الحملات عندنا بلا معنى ولا مبرر.

السعوديون القاطنون شمال المملكة فضلوا أن يسافروا إلى الأردن لينضموا لحملات حج خارجية أرخص مما لو حجوا من الداخل. نحن لا بواكي لنا.

المهم، هل أسافر لليمن ثانية وأنضم لحملة يمنية طيبة القلب عابقة المكان؟ أم أسافر إلى مكة وأستأجر بيتا هناك ثم أنضم للحملة في الأيام الأخيرة؟ في كل حال سأكون مفصولا عن سكني وعن أهلي. كيف يكون الحج هكذا؟ أي طعم له بدون الذكرى مع من تحب؟ سيقول لي أحدهم الحج لله وليس رحلة مع الأسرة، وسأقول له نعم ولكن هو أيضا رحلة، بل هو أجمل الرحلات على الإطلاق.

أريد أن أحج مع أسرتي هكذا وحدنا ولا يعترض طريقنا أحد ولا يفصل بيننا أحد ولا يستغلنا أحد. فهل هذا كثير على من نوى الحج من داخل بلاده؟!