من منّا لا يحب أغنيات السيدة فيروز وألحانها؟ من منا لا يطرب للفن الحقيقي الذي شَدَت وتألقت به طوال نصف قرن مضى؟

الكتابة عن فيروز أمر صعب! وتزداد هذه الصعوبة حين تكون الكتابة في مساحة ضيقة، ففيروز ليست وحدها هنا! إذ لولا الأَخَوان رحباني ما كانت فيروز، ولولا فيروز ما كان الأخوان رحباني. على الرغم من أن كلا الطرفين كان موجوداً قبل التقائه بالآخر، إلا أن الوجود الحقيقي والمؤثر حصل بعد أن اجتمع الثلاثة فصاغوا مفهوماً جديداً للغناء والموسيقى في العالم العربي بعد التقائهم.

أحدث هذا الثالوث الفني الكبير (عاصي ومنصور وفيروز) نقلة كبرى في تاريخ الفن في ثقافتنا العربية. بعد نصيحة سعيد عقل - شاعر لبنان الكبير - وافقت فيروز على الزواج من الرحباني الأكبر عاصي، الموسيقار العبقري والمرهف الحسّ، فأنجبا جنوناً فنياً يدعى (زياد)، تحقق فيه المثل العربي الشهير: من شابه أباه فما ظلم!

تشير سيرة الأخوين رحباني، عاصي ومنصور، إلى العلاقة المميزة بينهما، وهي أشبه بالصداقة الحميمة منها بالأخوّة أو صلة القربى، فقد نشآ في بيئة تربوية أخلاقية صارمة في كنف والدهما حنا الرحباني، وترعرعا وسط بيئة قروية تتجلى فيها كل جماليات الطبيعة، في أجوائها وأشجارها وأحجارها وحيواناتها وطيورها... وفي تربيتهما ودراستهما كانت الموسيقى جزءاً لا يتجزأ منهما، حيث كان والدهما محباً للموسيقى عازفاً على آلة "البزق" المعروفة في بلاد الشام وتركيا والعراق.

استفادا كثيراً من قراءاتهما مبكراً للأدب والفلسفة، ودراستهما للموسيقى الشرقية والغربية، فأصبح عاصي موسيقياً ومنصور شاعراً؛ ولذلك برز مخزونهما الثقافي وتجاربهما في حياة الطفولة والشباب بشكل أغنيات فائقة الجمال، رسمتْها فيروز بحنجرتها الذهبية مثلما يرسم التشكيلي لوحاته.

وفيروز اشتهرت منذ أن كانت صغيرة بصوتها الشجي، وبدأت عملها الفني في أربعينيات القرن الماضي كمغنية كورس في الإذاعة اللبنانية، مع الأخوين فليفل، تعاونت مع مدير الإذاعة اللبنانية حليم الرومي في أولى أغنياتها، وبعد أن تعرفت إلى الأخوين الرحباني بزغت شمسها كفجر جديد على مسيرة الغناء والموسيقى العربية.

أعمال فيروز ذات موضوعات ثرية ومتعددة، كانت بمثابة ثورة في الأغنية العربية، حيث تميزت "بقصر المدة وقوة المعنى"، وتستطيع كل أغنية من أغنياتها أن تمنح المستمع إليها شعوراً جديداً يمتزج فيه الصوت بالنصّ بالنغم، ليكوّن هذا الثالوث بساطة في التعبير وعمقاً في الفكرة. وأظن أن أغنيات فيروز هي الوحيدة التي تستطيع ربط الإنسان بالوجود؛ لتخلق حساً سامياً يكاد أن ينفذ إلى خانة المطلق في الفن.

الصباح الباكر هو موعد ولادة هذا المقال في الهواء الطلق، وفي هذه اللحظة بالذات تتراقص أحرفي على صوت فيروز وأنغام عاصي وكلمات منصور: (إديش كان في ناس.. ع المفرق تنطر ناس.. وتشتِّي الدنيي ويحملوا شمسيي.. وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني)!

أن يستمع أحدنا إلى فيروز في الصباح فإنه لا بد أن يستشعر جمال الحياة، حيث يكون الإنسان والطبيعة عينان لرأس واحدة في الكون، حيث يفتح الرحابنة وفيروز نوافذ شتى على الحب والحرب، الحزن والسعادة، اللقاء والوداع، الطفولة والكهولة، الصيف والشتاء، الأرض والسماء، البحر والنجوم، الغيم والمساء... إن هذه الخصوصية لا نجدها إلا مع فيروز والرحابنة.

ما حدث مؤخراً، هو ما حملني على كتابة هذه المقالة، حيث أصدرت محكمة لبنانية أمراً قضائياً بمنع السيدة فيروز من الغناء؛ على خلفية الخلاف القديم المتجدد بين فيروز والمرحوم منصور الرحباني - وأبنائه من بعده - على أحقية الإرث الفني الكبير الذي تركه الأخوان رحباني.

هذا الخلاف ليس جديداً كما أسلفت، لكن الجديد فيه هذه المرة، هو منع فيروز من إعادة غناء مسرحية "يعيش يعيش" وعرضها على مسرح كازينو لبنان، وهذا المنع له أسبابه المادية والشخصية، ولكن له أيضاً تبعاته الثقافية بطبيعة الحال، وخاصة أن فيروز شخصية فنية عامة أصبحت رمزاً قومياً ووطنياً، ومن الصعب على جمهورها العريض تقبّل فكرة المنع، التي تشبه محاولة منع الطيور من التحليق أو منع النهر من الجريان!

وتضامناً مع سيدة الفن الرفيع، دعا عدد من "مؤسسات المجتمع المدني" اللبنانية إلى اعتصام سلمي صامت يقام أمام مبنى المتحف في بيروت 26 يوليو الجاري، وبطبيعة الحال في هذه المظاهرة الصامتة لا شيء يعلو فوق صوت فيروز.

www.youtube.com/watch