قبل خمسة وثمانين عاماً دوّن الأديب الكبير يحيى حقي مذكراته عن الحج، في مجلة الرابطة الشرقية في عدديها الأول والثاني عام 1348، تحت عنوان "عابر سبيل"، يرويها بعفو الخاطرـ كما يقول ـ تاركاً نفسه على سجيتها، فيصف الطريق بين جدة ثغر الحجاز ومكة قبلة المسلمين: "الطريق صحراء لا يقع نظرك فيها على عود أخضر، وتتعرج بها سلسلة من تلول قصيرة دكناء، وإن خضع الرمل، فلن تخضع الرياح السوافي التي تمسح الصحراء سطحاً أو تكومها كثباناً. تعترضك في الطريق محطات من أكواخ خشبية ملتفة حول بئر طويلة العمر، وإذا كنت سائراً على قدميك غريباً وحيداً لما شعرت بوحشة ولا بحاجة لمن يدلك على الطريق، فبالنهار وبالليل لا ينقطع السرب الطويل، ولا يدرك البصر أوله ولا آخره، متدفقاً إلى مكة كأنه السيل العرم، فإذا جاوزت "العلمين" وقاربت مكة هلّت عليك رائحة العود الذي يحرقه الجالسون على أبوابها، وينشرح صدرك لعبير الأرض الطاهرة، وقد يظهر الدمع في مآقيك". ويواصل يحيى حقي مذكراته وهو يلبس الإحرام، ويكشف كتفه الأيمن دون أن يعلم السر في ذلك، ولكنه قرأ من مصدر صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أقبل على المسعى، فإذا الكفار ينظرون إليه فكشف النبي عن ذراعه اليمنى، وأمر أتباعه أن يحذوا حذوه ليرى الكفار ما في هذه الأذرع من قوة وأنها لا تخشى بأسهم. ويسرد حقي ماعاناه من حيرة حول رمي الجمار، وقد بدأ إشكاله في المزدلفة، حيث "أناخ ركبنا لنجمع الحصى، ولما انتهيت حمدت الله، إذ ليس من السهل أن تجمع تسعاً وأربعين حصاة من مكان تبرك فيه أباعر قوافل لا عد لها، وتترك فيه مخلفاتها، وعمدت إلى صديق يحج لأول مرة وكنا قد اتخذناه إماماً لنا لكثرة مايرويه من الأحاديث، وطول قراءته ودرسه في كتاب "الفقه في المذاهب الأربعة" الذي يتأبطه أينما سار، ومددت إليه يدي ليرى ذخيرتي في حرب الشيطان، فإذا به يعبس في وجهي ويقول: تعبك راح هباء.. لماذا؟ يجب أن تكون الحصاة بقدر الأنملة، وقد اخترت ما دون ذلك، ويعلم الله أن قلبي لم يكن أشفق على الشيطان من قلبه، وانحنيت إلى الأرض من جديد أختار الحصى، وجاءني الصديق الذي يحج لرابع مرة، فلما رأى حفنتي تأسف على مجهودي وقال: إنك اخترت حصًى كبيرة، في حين يشترط أن تكون في حجم الفولة، وامتلأ الجو بالأسئلة العديدة عن حجم الحصى، ورجعت إلى ذوقي وأخذت حصًى صغيرة الحجم لففتها في منديل وتوكلت على الله..".