-1-
كثيراً ما نسمع من رثاء وبكاء، على ما نحن فيه الآن من متاعب ومصاعب.
وكثيراً ما نقرأ من صور شنيعة وقبيحة، عن الوضع العربي، والحالة العربية القائمة.
وكثيراً ما نلمس من كثير من المثقفين ضجرهم وعدم رضاهم، عمّا يحصل الآن في كثير من البلدان العربية.
فهل هناك جديد؟ وهل ما نسمعه، ونقرؤه، ونلمسه، هو من نَبْتِ اليوم، أم إن جذوره ضاربة منذ عدة قرون ماضية، وتطل برؤوسها من وقت لآخر؟ وبدون اقتلاع تلك الجذور، سوف تمضي تلك الجذور بالإنبات، بين وقت وآخر.
-2-
قرأت في الأمس في تاريخنا، قول المؤرخ اللبناني وجيه كوثراني، في كتابه (العلماء والطرق الصوفية والتنظيم الحرفي)، الصادر عن مركز الدراسات العثمانية، زغوان، تونس، 1988، أن "القضاة – في العهد العثماني في بلاد الشام - لعبوا دور الحكام الشرعيين في المدن الكبرى، والصغرى. وكان كل قاضٍ بمثابة حاكم شرعي في مدينته. فكان القاضي يجمع بين يديه مقاليد المدينة كلها، ما عدا الناحية الأمنية والإدارية التي يتولاها الوالي. وأصبح القاضي الشرعي هو قاضي الأحوال الشرعية، والقضايا المستعجلة، ومحكمة التجارة، والاستئناف، والجزاء، والجنايات، ورئيس ديوان المظالم، وقاضي العسكر، وصاحب القرار في تنصيب مشائخ الحِرف، وفض منازعاتهم". (ص 621).
فهل نحن اليوم، مقارنة بما كان يحدث في الأمس بألف خير، والحمد لله؟!
-3-
وقرأت:
في دمشق لم يكُ همُّ الغازي ( السلطان سليم الأول) إلا التفكير في كيفية فرض الضرائب والمكوس، على كل شيء حتى على الهواء، والماء، والحجر(مال قلعة)، والشجر (مال كرم). ففرض الضرائب والمكوس على المحاصيل بمختلف أنواعها وأشكالها، كما فرضها على الشجر المثمر، وعلى أخشاب الغابة، والأعشاب كالبابونج، والبقدونس، والكزبرة، والنعناع. وعلى إنتاج المعادن، والماء، والثلج، والملح. كما فرضها على الحيوانات، وعلى كل ما يُصدَّر، وعلى كل ما يُستورد، وعلى البيع والشراء، وعلى الأحكام الشرعية لأول مرة، في تاريخ الإسلام، في بلاد الشام. وهو ما يُعرف بـ (اليسق العثماني) أي أن يأخذ رسوماً على كل حكم شرعي يصدره القاضي، فتعطلت الحدود، لأن من لا يملك لا يستطيع أن ينال حكماً شرعياً له، أو عليه. والغني وحده هو من ينال الأحكام، ويُنصَف شرعاً. أما الفقراء فلا أحكامَ لهم.
وقال المؤرخ المصري الشهير، محمد ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور في وقائع الدهور) "إنه أشأم قانون". ( الجزء 5 ، ص427).
وفوق هذا كله، كانت هناك المصادرات المالية، أو ما يُسمَّى بـ (البَلْص).
فهل نحن اليوم، مقارنة بما كان يحدث في الأمس بألف خير، والحمد لله؟
-4-
وقرأت في تاريخ المماليك وحكمهم لبلاد الشام مدة طويلة (648-922هـ) (1250-1517م) أن:
حَكَمَ سلاطين المماليك بلاد الشام، وهم – أصلاً - من العبيد الجهلة السفاكين، الفاسدين، المحبين للعظمة، والأبهة، وكانوا حريصين على عرض تلك الأبهة بأسلوب لا يُجارى، سواء في الإقامة والرحيل، أو في الحرب والسلم، أو في دور القضاء وإقامة الولائم، كما قال المؤرخ السوري نقولا زيادة في كتابه ( "دمشق في عصر المماليك"، ص 143). ومن مظاهر أبهتهم السخيفة، تلك القصور العظيمة التي بنوها في مصر، وبلاد الشام. كما كانوا في حياتهم اليومية مثال الأبهة السخيفة، التي تجلت في مظاهر حياتية يومية مختلفة منها، أنهم كانوا يجلبون الثلج من جبل الشيخ في الشام إلى مصر، لتبريد الماء، في صيف مصر الحار، حيت تحمله سفن خاصة إلى المرافئ، ثم تحمله الجمال إلى رأس "قلعة القاهرة"، لكي يُحفظ في "الشرابخانه". كما يروي لنا المؤرخ القلقشندي في (صُبح الأعشى).
فهل نحن اليوم، مقارنة بما كان يحدث في الأمس بألف خير، والحمد لله؟
-5-
أما عن فسادهم، وانحلالهم، فحدّث ولا حرج!
فمن علامات فسادهم وانحلالهم الأخلاقي، بيع الخمور في بلاد الشام إذ كان مباحاً في عام 1281م، لمن نال حظوة عند السلطة، وأن فتح بيوت للدعارة كان مُرخّصاً لمن كان قريباً من السلطان. كما يروي لنا المؤرخ نقولا زيادة في كتابه أيضاً (ص 200).
وكان سلاطين المماليك جهلةً أميين. ومن علامات جهلهم أن كان منهم من لا يُحسن الكلام باللغة العربية كالسلطان برسباي (1422-1438م) الذي كان عبداً من عبيد السلطان برقوق (1391-1400م) وبرسباي هو الذي أمر بقطع رأس طبيبيه اللذين أخفقا في علاجه. وكان السلطان إينال (1453-1460م) أميَّاً لا يقرأ، ولا يكتب، ولا يحسن التوقيع على الوثائق الرسمية، فكان يُكلِّف أمين سره أن يرسم له توقيعه، لكي يرسم توقيعاً مماثلاً له!
وكان الفساد الإداري والمالي علامة مميزة للعهد المملوكي، كما كان نتيجة حتمية لعدم الاستقرار السياسي الذي شهده هذا العهد. وقد ذكر المؤرخ المقريزي في خططه (خطط المقريزي) أن أصل الفساد في العصر المملوكي، هو تحكم الرشوة في الخطط السلطانية، والمناصب الدينية، والوزارة، والقضاء، وولاية الأقاليم، وولاية الحسبة، وسائر الأعمال بحيث لا يمكن التوصل إلى شيء منها إلا بالمال الجزيل.
وفي مصادر عصر المماليك، أمثلة عديدة لقضاة بلغوا مناصبهم عن طريق الرشوة. فيقال إن السلطان برقوق، عندما اختار المؤرخ المعروف عبد الرحمن بن خلدون صاحب "المقدمة" الشهيرة، قاضياً في مصر في عام 1400م خلفاً لقاضي المالكية ابن التنسي، جاء القاضي ابن الدماميني، ودفع ثمناً للمنصب سبعين ألف دينار، إلا أن برقوق رفض هذا الثمن، وأصرَّ على تولية ابن خلدون القضاء. وهو ما يوحي بأن مناصب القضاء، كانت فعلاً تُباع، وتُشترى. فاذا استقروا في تلك المناصب، استمروا في رشوة أهل الدولة بالأوقاف، وتأجيرها لهم بأبخس الأثمان، حتى يضمنوا بقاءهم في مناصبهم.
كذلك حدث في عام 1408م أن تولى منصب الحسبة في مصر أربعة في شهر واحد، لأنهم فرضوا على صاحب المنصب مالاً مقرراً. فكان من يطمع أن يلي المحتسب القائم، لكي يقوم على الحسبة، ويصرف الذي قبله، أن يزيد المبلغ المقرر. وتغاضى بعض أصحاب الحسبة عن الباعة الذين يغشّون الناس نظير ضرائب مقررة، يجمعها المحتسب، لكي يؤدي ما استدانه من المال، الذي دفعه رشوة عند ولايته، ويؤخر البقية لمهاداة أتباع السلطان، ليكونوا عوناً له على بقائه.
وقال المؤرخ المقريزي في (خطط المقريزي):
"صارت الوظائف مثل الأموال المملوكة، يبيعها أصحابها إذا شاؤوا."
فهل العرب اليوم، مقارنة بما كان يحدث في الأمس بألف خير، والحمد لله؟