كنت في أحد الصباحات البيضاء بمكتبي حينما دخلت فتاة حيث أعمل، وما إن علمت أنه لا يوجد عمل يتناسب مع تخصصها، بالإضافة إلى أنه لا يوجد شاغر وظيفي حتى ثارت وتوعدت وقامت بالتجول بالمكان والتحدث إلى الأخريات، في محاولة منها لإقناعهن بأن يتركن العمل في تلك المنشأة مدعية أنها لا تقوم بتوظيف الموهوبات أمثالها، كما أثارت الفوضى داخل المكان ولم تغادر إلا بصعوبة بعد أن تسببت في إرباك الموظفات. وحقيقة لم أكن لأنظر لتلك الفتاة على أنها تمارس نوعا من التخريب أو الشر بقدر ما نظرت لها بعين الرحمة، فهي تعاني من أعراض حقيقية مربكة لعدم حصولها على عمل، وتذكرت قولا مأثورا ما معناه: (إنَّ النفسَ قد تلتاثُ على صاحِبِها، إذا لم يكن لها من العيش ما تعتمد عليه، فإذا هي أحرزت قُوَّتها اطمأنَّت). إن النفس تطلب كما أن الحياة تطلب، وهذا تحديدا ما حدث لنفس تلك الفتاة الغاضبة بحيث لا تعلم أين وكيف توجه غضبها حين لم تجد ما تطمئن له نفسها من عمل مستقر يكفي حاجتها ويرضي طموحها.
حنان أيضا صديقة عمل سابق لم تجد العمل الذي يرضي طموحها وجميع محاولاتها في الحصول على فرصة باءت بالفشل. لم تعد تلك الفتاة التي كانت، فقد تغيرت كثيرا لم يعد للأمل مكان في قلبها وتسلل القلق والتوتر إلى نفسيتها وفضلت الانعزال والانزواء وسيطر الإحباط على حياتها وأصبحت الكآبة تحيط بحياتها اليومية واختارت الابتعاد عن قلب الحياة اليومية والهروب إلى تجمع من الصديقات يشاركنها نفس الظروف وشكلت مجتمعا صغيرا جديدا لكنه ليس على ما يرام لأنهن يمارسن فيه طمأنينة مزيفة وتتواتر فيه الأفكار والفراغ وربما يشكلن خطرا على أنفسهن قبل أن يلحقنه بالآخرين.
المرأة بحاجة للعمل والاستقرار الاقتصادي بشكل لا يقل عن حاجة الرجل للعمل، بحكم أن متغيرات الحياة المعاصرة قد طالت الجميع ولم يعد هناك نموذج الأسرة التي تقوم على فرد واحد في احتياجاتها الاقتصادية. فالنساء اللواتي لا يشعرن بتحررهن الاقتصادي وأنهن لسن أكثر من مستهلكات يفتقدن لتقدير الذات ويشعرن بأنهن أقل من غيرهن وتسيطر عليهن الكثير من المتاعب النفسية.
هكذا يحدث حين تتعب المرأة من مقاومة عوامل السلب في حياتها وفي مجتمعها وتتسلل إليها الوحشة. قد تتباين قليلا أو كثيرا الظروف والترسبات الثقافية والقيمية والدافعية التي تلعب أدوارها في حياة الإنسان، إلا أن الألم الروحي الذي تعانيه المرأة بشكل خاص هو ألم يتأتى من القطيعة القائمة بين ما هو مطلوب بالضرورة وما هو متاح على وجه الواقع، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي طالما تفتقد ما يوفر لها الشعور الآمن بإنسانيتها. قضية احتياجات المرأة مرتبطة بكثير من تفاصيل حياتنا اليومية وتشكل فارقا حقيقيا وليست مجرد متاعب نساء تُحكى على مرمى نظر من وزارة العمل.