كثير من الترقب والحراك المكتوم في فلسطين اليوم رغم كونها لا تتصدر واجهة الأحداث والأخبار. الربيع العربي في حد ذاته ليس بعيدا عن الفلسطينيين الذين على مدى عقد كامل منذ الانتفاضة الثانية في عام 2000 لم يتجرعوا سوى خيبات الأمل من إمكانية إحلال السلام، يضاف لها الانقسام الفلسطيني الذي بدأ منذ الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006. ولا تقف أزمة الفلسطينيين فقط عند حدود الخلاف الداخلي (وهو خلاف كبير بالأساس نتيجة اختلاف الرؤية والمنهج بين القوتين الرئيستين فتح وحماس) بل تمتد أيضا لتشمل الخلاف الخارجي كون فلسطين تحولت مع الوقت إلى ورقة المساومة التي تلعب بها الأطراف الإقليمية بدءا من طهران ومرورا بإسطنبول وحتى العواصم العربية الرئيسية. المشهد الفلسطيني لا يمكن أن يكون أكثر تشرذما مما هو عليه، فعملية السلام المعطلة فعليا منذ سنوات يأبى أي طرف أن يطلق عليها رصاصة الرحمة كون البديل لها في غاية التكلفة على الجميع، والفلسطينيون في الداخل وصلوا لدرجة من الانقسام أصبح معها الهم الأول لملف فلسطين هو إحداث تقدم في المفاوضات بين كل من فتح وحماس. المشهد الفلسطيني أصبح مشهدا سرياليا في غاية الإضحاك والإبكاء في آن معا.

أين تقف فلسطين اليوم وإلى أين تتجه؟ إن افتراض إمكانية تأجيل استحقاق التعامل مع ملف فلسطين ريثما يتم إنهاء الترتيبات الداخلية والإقليمية في عدد من الدول ربما يكون افتراضا قاصرا، فلسطين ملف متشابك مع كل الملفات بصورة أو أخرى. ولا يمكن الافتراض بأن توجيه الاهتمام بفلسطين مرهون بالانتهاء من الوضع في سوريا أو غيرها، فلسطين تؤثر وتتأثر بالوضع الإقليمي بشكل مستمر. إيران مثلا لا تزال ترى أن ورقة حماس إحدى أوراقها الرابحة في المنطقة وبالتأكيد مع اشتعال أزمة حماس الداخلية وخاصة بين قيادة الداخل (إسمياعيل هنية ومحمود الزهار) وقيادة الخارج (خالد مشعل وموسى أبو مرزوق) سترى إيران فرصة لدعم الأطراف المؤيدة لها داخل حماس لتحريك الوضع لصالحها، خاصة في ظل احتدام الوضع السوري أو الإيراني نفسه نتيجة الضغوط التي تتعرض لها بسبب الملف النووي. في المقابل أطراف أخرى داخل حماس بدأت في إظهار مؤشرات على رغبتها في إعادة هيكلة منظومة حماس بعد الربيع العربي لتتسق مع صعود الحركات الإسلامية في دول الربيع العربي وبالأخص مصر، التي لدى الإخوان المسلمين فيها تصور خاص عن حماس والدور الذي يجب أن تقوم به. حماس معرضة اليوم للمزيد من الانقسام الداخلي ومع الوقت ستزيد التطورات الإقليمية من حدة الانقسام وعدم وضوح الرؤية حول المنهج الواجب اتباعه من الحركة، الربيع العربي وصعود الحركات الإسلامية لسدة المشهد تخفي عيوب حماس الداخلية التي لن تلبث تظهر، وتلاعب القوى الخارجية بالحركة سيزيد من حدة الأمر.

من جهة أخرى تعاني فتح وبالامتداد السلطة الفلسطينية من أزمة قيادة، وكما أعلن خالد مشعل عدم نيته خوض الانتخابات الداخلية لرئاسة حركة حماس، فإن الرئيس محمود عباس أعلن أيضا نيته عدم الترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية في الانتخابات الرئاسية القادمة والمؤجلة بالأساس منذ عام 2009. وقد أبرز الكاتب الفلسطيني داود كتاب في مقال له في 16 أكتوبر 2012 بصحيفة الحياة بعنوان "فلسطين من دون عباس ومشعل" هذه الملاحظة الجديرة بالتنبه وهي أنه في عام 2013 قد نجد أنفسنا أمام فلسطين بوجه قيادي جديد في الطرفين: فتح وحماس. السلطة الفلسطينية رغم كونها الممثل الرسمي لفلسطين والأقرب للتوجهات العربية وبخاصة الخليجية إلا أنها تعاني من فساد داخلي رهيب، لم يكتف فقط بإبعادها عن نبض الشارع الفلسطيني بل أيضا تمخض عنه عدم كفاءة إدارية للسلطة باتت معه عبئا سياسيا عربيا. وداخل فتح تغيب الوجوه القيادية القادرة على إحلال مكان محمود عباس، فأغلب أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح كبار في السن، والأسماء البارزة كصائب عريقات أو رئيس الحكومة سلام فياض أو حتى ناصر القدوة تبدو أضعف من توحيد الشارع الفلسطيني، فالرئيس محمود عباس استقى لحد ما من شرعية ياسر عرفات ومن المستبعد أن تستمر هذه الشرعية الوطنية وبنفس القوة لخليفته في قيادة فتح والسلطة الوطنية. إذا كانت حماس تعاني من تضخم وصراع بين القيادات فإن فتح تعاني من غياب القيادات القادرة والفاعلة. وكلا الأمرين وجهان لعملة واحدة هي أزمة قيادة فلسطينية، تتشظى معها فلسطين ومشروع تحريرها.

هشاشة الوضع الفلسطيني أمر في غاية الخطورة. حكومة سلام فياض واجهت على مدار العام الماضي عدة تظاهرات في الضفة ضد غلاء المعيشة وتطالب بإسقاط النظام. وتزيد هشاشة الوضع في فلسطين مع جمود عملية السلام نتيجة تعنت إسرائيل وعدم الضغط الغربي عليها، في مقابل محاولة أطراف إقليمية الاستفادة من ملف فلسطين في الضغط على الغرب لمصالحها الخاصة وبالتالي تحويل القضية لورقة مساومة، بقاؤها أهم من حلها، والخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية التي يمثل الربيع العربي لها ولنا فرصة لا تعوض لاتخاذ قرار جريء يعيد تغيير معادلات القضية القائمة اليوم ويسمح بتحقيق اختراق فيها يصب لصالح القضية والعرب. دون ذكر أن تحقيق تقدم حقيقي في ملف فلسطين سيعني تقويضا حقيقا لأي نفوذ إيراني أو تركي يتمدد في المنطقة إضافة لأنه سيعيد مركز القوة للقلب العربي في إدارة شؤون المنطقة.

دول الخليج هنا يمكن لها أن تلعب دورا رائدا ومهما، ليس من خلال إظهار الدعم لمسألة الطلب الفلسطيني في الأمم المتحدة أو جهودها الدبلوماسية، وإنما من خلال استراتيجية خلاقة جديدة تستفيد من الربيع العربي في التعامل مع الملف الفلسطيني وذلك من خلال التخلص من عبء فتح وحماس على السواء، وتغيير كل معادلات الملف الفلسطيني لإسرائيل والأطراف الإقليمية على السواء، وذلك من خلال خلق قيادة فلسطينية جديدة تستمد شرعيتها من الشارع الفلسطيني نفسه. هنا يبرز اسم مروان البرغوثي (الذي يحلو للبعض تلقيبه بمانديلا فلسطين ويقضي 5 أحكام مدى الحياة في السجن) كشخصية بارزة يمكن لها تغيير المعادلات القائمة في ملف فلسطين. ربما ما تحتاجه فلسطين اليوم هو حملة دبلوماسية وإعلامية دولية قوية لتحويل البرغوثي إلى مانديلا الفلسطيني بشكل حقيقي. فماذا ستكلفه حملة سياسية وإعلامية دولية مثل هذه؟ على الأرجح لن تكون أكثر من تكلفة السلطة الوطنية أو حماس علينا، والأهم هو أن الشارع الفلسطيني متقبل لها وربما بحاجتها، وربما يكمن الحل الفلسطيني في التخلص من فتح وفسادها وحماس وتأرجحها، وفي استغلال موجة الربيع العربي وتوجيه ضربة قوية لإسرائيل وهي في حالة ضعف، فعملية السلام الحالية في حكم الميتة، وخلق مانديلا فلسطيني سيعيد غربلة الأوراق التي طالما اعتمدت كل الأطراف عليها (الدولية والإقليمية) لتعطيل مسار القضية الفلسطينية. نحن في دول الخليج يمكن لنا اليوم أن نقوم بهذا الدور، وهو أيضا في صالحنا السياسي.