تحسس جهاز "البلاكبيري"، وتأكد من وجوده معه، وقد كانت كاميراه الاحترافية سبقته إلى سيارته الفارهة، بعد أن انتهى من تسريح شعره بـ"لوك جديد"، ثم ارتدى قميصاً زاهياً من ماركة شهيرة، انطلق صاحبنا إلى أحد المجمعات التجارية الفخمة في مدينة الرياض، ليشارك مجرد لحظات قصيرة في حملة "تطوعية توعوية مبتكرة"، ثم ليتفرغ لأشياء أخرى، وكل هذا تحت راية التطوع والأعمال المجتمعية!. أما على الجانب المقابل، فلقد اختزلت ثلة من الفتيات مفهوم التطوع بمجرد إحضار "الكب كيك"، المعد منزلياً على حد زعمهن، وتوزيعه على المشاركين في الحملة التطوعية أولاً ثم المستهدفين بالحملة ثانياً، إضافة إلى تعليق جهاز "البلاكبيري"، وارتداء عباءةً مثيرة للاهتمام، وكأنما الهدف الأخير هو الخروج من المنزل، وتمضية الوقت دون فائدة تذكر!.
ولكن دعونا نبدأ القصة من أولها، لنتعرف على تلكم الممارسة الشبابية التي انتشرت مؤخراً، ويطلق عليها "التطوع"، وهو مايعرّف بأنه "عمل اجتماعي إرادي غير ربحي، دون مقابل أو أجر مادي، يقوم به الأفراد أو الجماعات من أجل تحقيق مصالح مشتركة أو مساعدة وتنمية مستوى معيشة الآخرين"، نعم ولله الحمد تزخر بلادنا بالكثير من الفعاليات التطوّعية، شباب وشابات من أبناء الوطن يتطوعون بأشكال مختلفة وأهداف أكثر اختلافاً، ضمن طيفٍ واسعٍ من البرامج والفعاليات، تبدأ بالنشاطات الصحية، مروراً بفعاليات الأيام العالمية، ولا تنتهي بالدعم والمساندة الاجتماعية، هذه النشاطات توسعت بشكل ملاحظ خلال السنوات الماضية، وانتشرت في كافة مدن المملكة، بعد أن كانت حصراً فقط على المدن الكبرى، لكن للأسف وبعد كل هذه التجارب التطوعية الرائعة، ما يزال النشاط التطوعي في المملكة غير ناضجٍ، ويعج بالكثير من الفردية وغياب العمل المؤسسي، فضلاً عن فقدانٍ تام للرؤية المستقبلة، والأسوأ من ذلك تحوله إلى أهداف أخرى، تتعارض تماماً مع الهدف الأصلي للعمل التطوعي، وهو مساعدة الناس أو مساعدة الناس ليساعدوا أنفسهم.
كما أن إحدى المشاكل الرئيسة للتطوع، والتي تؤثر على مدى فعاليته، هي اعتماد جل البرامج التطوعية على المحور التوعوي بشكل أساسي، والتي تكون مجرد برامج تواصل وتعليم فقط، لا تتجاوز المستوى السطحي للمعلومة نفسها، دون الغوص في برامج: "تغيير السلوك behavior change"، وهي الأهم في أي برنامج توعوي تثقيفي، ولكنها تحتاج إلى خلفية علمية، وتخطيط مبكر، وجهد حقيقي ومتابعة مستمرة، وكل هذه الشروط لا تتوفر في أغلب برامجنا التطوعية في الوقت الحاضر، والتي تعتمد على "الفزعة"، وتوزيع الملصقات والمطويات، والثرثرة ثم التصوير مع مستفيدي الحملة فقط!، وهذا يقودنا إلى أهم المشكلات التي تواجه المتطوعين في المملكة، والتي ترافقت منذ بدأ العمل التطوعي قبل عقود قليلة على استحياء، ثم توسعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وهي غياب الإطار النظامي للعمل التطوعي، حيث وافق مجلس الشورى على نظام العمل التطوعي منذ العام 1432، والذي يقع مشروعه في سبع وعشرين مادة، يحدد واجبات المتطوع وحقوقه، وينشر ثقافة التطوع في المجتمع، ويتضمن الضوابط والاشتراطات التي تسهم في نشر العمل التطوعي بين فئات المجتمع، وكذلك مجلساً أعلى لتنظيم العمل التطوعي، كما يحث النظام الجهات الحكومية على المشاركة في دعم العمل التطوعي، ولكن النظام ـ للأسف ـ لم يصـدر بعد!! مما يجعل العمل التطوعي أسير الاجتهادات الفردية، ودون غطاء قانوني يحفظ للمشاركين حقوقهم، ويحدد واجباتهم.
كثيرٌ من الشباب والشابات، وحتى من الفئات العمرية الأخرى، يتمنون المشاركة في الفعاليات التطوعية، خاصة بعد أن تعددت، وتجاوز بعضها البعد الخيري في توزيع الصدقات والهبات، إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي، والتدخل الاجتماعي، بل وحتى زرع الابتسامة العابرة، والمشاركة في المناسبات الوطنية، لكن غياب الإطار النظامي يجعل التردد سمة واضحة، بل إن البعض يحمل رصيد تجربة فاشلة في التطوع، مردها غياب البوصلة الواضحة، لدى القائمين على البرامج التطوعية، وتحوله في كثير من الحالات إلى مجرد لقاء اجتماعي، وبرنامج لتمضية الوقت بعيداً عن الروتين اليومي.
غياب بوصلة التطوّع يقود البرنامج التطوعي للانحراف عن مساره وبالتالي هدفه، كي يخدم أهدافاً أخرى غير المخطط لها، فكم من برنامج تطوعي كانت بدايته حل مشكلة اجتماعية ما، وتحوّل بسبب فردية القائمين عليه إلى بهرجة إعلامية، ومشروع شهرة وبروز للقائمين عليه، فضلاً عن سوء الإدارة وتبذير الموارد المالية، والأهم من ذلك تسرب المتطوعين، وهم رأس مال البرنامج الأهم.
وفي هذا المقام، نستذكر الفيلم الوثائقي القصير المبدع: "التطوع الأخير"، الذي أنتجته مجموعة شبابية في المنطقة الشرقية، ولامس كبد الحقيقة، حيث تناول مشاكل التطوع من وجهة نظر شبابية، ورصد الممارسات الخاطئة للمتطوعين، وتحولهم إلى الأهداف الشخصية خلال أي برنامج تطوعوي، وتناول متلازمة "الكب كيك" و"البلاكبيري" بشكل ساخر ولطيف، وأكد على ضرورة تأطير هذه الممارسات ذات المنشأ الإيجابي، مما يجعلها رصيداً إضافياً في بناء مجتمعنا السعودي.
لذا فإن سرعة إقرار نظام العمل التطوعي سوف تسهم بإعادة ضبط بوصلة العمل التطوعي، وجعله عملاً مؤسسياً مستمرًا، وليحقق للفرد فضاءً مناسباً لقضاء الوقت وتفريغ الطاقات، ومساحة حقيقة لخدمة مجتمعه المحيط وبالتالي وطنه.