لا يوجد في الأعراف السياسية، ولا في لغة الدبلوماسية ما يجعل من كلمات الرئيس المصري، محمد مرسي، إلى الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، قضية تحتاج كل هذا الجدل الضخم الذي يشكل اليوم في القاهرة مظاهرة ثقافية وفكرية على هوامش احتجاجات ومليونيات الإخوة الأشقاء في مصر المتتالية. هذه هي أعراف العلاقات ما بين بلدين، أي بلدين، إما أن تكون لك علاقات، وبالتالي فلها توابعها من الخطابات ومن اللغة ومن الدبلوماسية، وإما أن تقفل الباب وتسحب السفير وتلغي العلاقة وبالتالي تقفل معها نافذة الجدل مع كل خطاب أو مناسبة.

الذين جعلوا من خطاب الرئيس المصري، إلى نظيره الإسرائيلي قصة إعلامية وثقافية هم الإخوة (الإخوان المسلمون) وهم الرئيس المصري نفسه يوم كان بتاريخه الطويل المجيد معارضاً لكل شيء في خيط العلاقة ما بين البلدين. هي ذات أدبياته وأدبيات جماعة (الإخوان) العنترية يوم كانوا خارج منظومة العمل السياسي. هو نفسه وهي نفسها ذات الجماعة التي كانت تهدد (بالمقص) لقطع هذا الخيط، مثلما هو نفسه الزعيم وهي نفسها ذات الجماعة التي تحاول رتق هذا الخيط بعد أن أصبح ضرورة لأصول الحكم. وبزعمي أن هذه (الرسالة) كانت أول امتحان للجماعة وللرئيس في برهان الفارق ما بين التطبيق والنظرية. ولسبعين عاماً من العمل السري لمنظومة جماعة الإخوان كان صلب (النظرية) هو قطع العلاقة مع الكيان الصهيوني، لكن هذه الأعوام السبعين لم تشفع للنظرية أن تبقى وتدوم أمام حاجز (التطبيق) الذي انهار تماماً، وللمفارقة، في اليوم السبعين من ولادة الحكم. في اليوم السبعين، كتب، محمد مرسي، رسالته مبتدئاً بـ(صديقي العظيم) وختمها بالتوقيع بكلمة (الوفي لك). وأنا هنا، وللإنصاف لن ألومه على استخدام هذه المصطلحات، لأن من يعرف (الإنجليزية) جيداً يدرك أنها لزمات ابتداء وانتهاء روتينية لا غنى عنها في بناء الخطابات والرسائل. الإنجليزية في بناء التعبير تختلف تماماً عن العربية، لكن المثير في الأمر أن شمعون بيريز هو من سرب رسالة الرئيس المصري إلى الإعلام، وللمفارقة فقد سربت أولاً إلى أشهر صحيفة معارضة لليبرالية المصرية. كل هذا لا يهم، المهم أن أصول الحكم وثمن الحصول على الكرسي والبقاء عليه تستلزم تضحيات هائلة لا فوارق فيها ما بين الإسلامي أو الليبرالي. كلهم يختلفون في النظرية ويتطابقون في التطبيق. كلهم سيبلع أدبياته القديمة وسيغلفها بالحلوى عندما يبلعها من أجل البقاء في الكرسي الذهبي. وخذ للمفارقة أن خطاب (مرسي) هو نفسه حذو القذة بالقذة ذات خطاب (حسني) مع اختلاف التاريخ كلاهما ابتدأ (بصديقي العظيم) وانتهى (بالمخلص لك) لتعرف الفارق بين التطبيق وبين النظرية.