يختلف التعليم الإيديولوجي عن التعليم المثالي أنه سياسي عملي في جوهره. بمعنى أنه وإن كان ينطلق كالتعليم المثالي من حقائق مطلقة ويسعى لقيادة الطلاب لاتباع هذه الحقائق إلا أن التربية الإيديولوجية مرتبطة بخطة سياسية عملية قائمة. ولذا يمتاز التعليم الإيديولوجي بأنه مكثّف وأكثر تنظيما ويدار عادة من قبل الدول أو الجماعات السياسية الكبيرة التي تسعى لتحقيق أهداف سياسية محددة وتسخّر نشاطها التربوي والتعليمي لتحقيق هذه الأهداف. تمتاز أيضا الأنظمة التربوية الإيديولوجية بوضوح مواصفات مخرجاتها المأمولة. أي إن سياساتها التربوية ترسم صورة دقيقة لمنتجاتها التعليمية تشبه تلك الصورة التي ترسمها مصانع الإنتاج. التربية الإيديولوجية تريد خريجين وخريجات ينفّذون إيديولوجيا الجماعة السياسية ولذا يتم إعدادهم بطريقة محددة لتحقيق هذا الهدف.

الأنظمة الإيديولوجية، ترتبط مع الفرد بعلاقة استعمال. أي إن الفرد يتم فهمه داخل علاقة تنفيذه لسياسة الجماعة أو الحزب. يسمي باولو فريري هذه العلاقة بعلاقة القهر. ولذا فهو يرى أن التعليم الإيديولوجي يحط من إنسانية الإنسان باعتبار أنه يختصر الفرد داخل علاقة الاستعمال ويطرد معناه الإنساني في كونه كائنا حرا وعاقلا. بحسب فريري، فإن هذا النوع من التعليم يتعامل مع الطالب أو الطالبة كما يتعامل الفرد مع حسابه البنكي. أي إن المعلم والمعلمة يشتغلون أكثر من أي شيء آخر بحشو رأس الطلاب بمعلومات تتناسب مع الإيديولوجيا وينتظرون في نهاية الفصل الدراسي أن يفرغ الطالب هذه المعلومات في الاختبار النهائي لنصل في النهاية إلى حساب خال من أي شيء.. إلا أن صورة فريري "التعليم البنكي" لن تكتمل إلا إذا أضفنا أن هذه العملية تحدث عطبا وألما هائلا في ذهن ونفسية المتعلم من خلال تحويله من كائن حر مبدع صاحب إرادة إلى مجرد مخزن للمعلومات وبالتالي أداة لأفكار الآخرين.

التعليم البنكي لا ينتمي لعلاقة "أنا- الشيء" كما يضعها بوبر بل إلى علاقة "الشيء- الشيء" فالمعلم أو المعلمة داخل التعليم الإيديولوجي يفقدون ذاتيتهم وحريتهم أيضا فهم مجرد منفّذين للخطة المرسومة سلفا. فلنتابع الآن الصورة من الظاهر. المعلمة أو المعلم في التعليم الإيديولوجي: يدرّس، يعرف كل شيء، يتحدث، يعاقب، هو الفاعل.

في المقابل الطالبة أو الطالب: يتم تدريسه، جاهل، يسمع، يتعرض للعقوبة، يطيع، هو موضوع كل الأفعال في المدرسة. تعليم بهذه المواصفات يحقق الغرض الإيديولوجي للتعليم باعتبار أن ينتج أفرادا عندهم القدرة على السمع والطاعة والخضوع للسائد الاجتماعي. هم مجرد منفذين ومطبقين لما تم فرضه على المجتمع من رؤى وأفكار. كما أن التدريب العسكري يبحث عن من ينفّذ الأوامر دون أي اعتراض أو تفكير فإن التعليم الإيديولوجي الذي يديره المستبد يبحث عن مواصفات مشابهة.

يعمل التعليم الإيديولوجي بشكل مكثّف على الحدّ من خبرة وتجربة المتعلمين. بمعنى أنه يسعى لتحويل هذه التجربة إلى تجربة ضيقة قدر الإمكان لا تتسع سوى لخطابه الخاص. ولذا تجد هذا النمط من التعليم يفرض مقررات دراسية محددة وواضحة ويمنع أي صوت من خارجها. داخل هذه المقررات نفسها تتم عملية إغلاق مقصودة لذهن ونفسية المتعلمين. فالتعليم الإيديولوجي يرسم للطالب عالم صراع يحدد له دوره فيه بدقة. بمعنى أن صورة العالم في التعليم الإيديولوجي هي صورة من الصراع بين جماعة الحق وجماعة الباطل. جماعة الحق هنا هي الجماعة المسيطرة على التعليم وجماعة الباطل هي كل من يخالفها. المتعلم هنا ينخرط من الطفولة في معركة ابتدأت قديما ويفرض عليه اتخاذ موقف في قضية لا يدرك أصلا أبعادها. في هذه العملية يتم ما يسمى بـ"اغتصاب الروح" أي أن يفرض عليها أن تكره من لا تعرف.

اللغة في التعليم الإيديولوجي لغة تم تمريرها عبر مصفاة الجماعة. هناك كلمات مفضلة وهناك كلمات محظورة ولذا فإن مراقبة التعابير وطريقة الكلام هي من أهم مواصفات هذا التعليم. في رواية 1984 حين ضاق الأخ الأكبر من استخدام المعارضة لكلمة الحرية قرر شطب هذه الكلمة من اللغة فقام بشطبها من القواميس ومن كل الكتب والصحف وكذلك من الكتب القديمة لتتوقف عن الوجود. التعليم سيكون آلة الأخ الأكبر المناسبة لشطب أي فكرة من عقول النشء الجديد. لذا فالتعليم هنا هو عمل للمستقبل. ليس مستقبل الأطفال الذي يفترض أن يختاروه بحرية إرادة ليرسموا طريق حياتهم كما يريدون، بل المستقبل الذي تم رسمه مسبقا وتحولت المدرسة إلى آلة لتحقيقه.

التربية الإيديولوجية تجمع الطرفين في علاقة "الشيء- الشيء" أي العلاقة التي يفقد فيها كلا الطرفين وجودهم الإنساني الحر ويتحولون لمجرد آلات تنفّذ ما تم إعداده وترتيبه مسبقا. حين تعي المعلمة أو المعلم طبيعة هذه العلاقة فإنها ستثير لديهم إشكالا أخلاقيا عميقا؛ بمعنى أنه ليس من الأخلاقي أن تتعامل المعلمة والمعلم مع طلابهم على أنهم أشياء تتم مصادرة حريتها في التفكير والنقد والاختيار. سيكون من اللا أخلاقي أيضا إقحام هؤلاء الأطفال في صراعات وقضايا تتجاوز تجاربهم وخبراتهم الحياتية المباشرة. الوعي بطبيعة هذه العلاقة سيجعل المعلم والمعلمة يدركون معنى مهما جدا وهو أن تعليم الأطفال كره الآخرين هو من أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان. إن تعليمهم العداوة هو إيذاء لمشاعرهم وأذهانهم. حين يعي المعلم أو المعلمة طبيعة هذه العلاقة ولا أخلاقيتها فإنهم، على الأقل كما أرى الموضوع، أمام خيارات حقيقية ومصيرية، الخروج من هذه العلاقة المؤذية ومغادرة التعليم أو تغيير هذه العلاقة من الداخل أو الإبقاء عليها. الخيار الثاني هو مجال هذه المقالات.