يعد الحج أحد الأمثلة الحية التي يمكن تدريسها في علم الحشود والذي تتشرف المملكة سنويا بالقيام عليه، وتبذل فيه من الجهود ما يشهد عليه العالم أجمع. الوزارت تستنفر والقطاعات الحكومية على أهبة الاستعداد، وكله لخدمة الحجاج. وقد يخفى على العديد، داخل وخارج المملكة، الكم الهائل من الوقت والجهد والمال المبذول لإنجاح هذه الأيام المعدودات.

الجهل بهذه الجهود تتحمله أطراف عدة، وعلى رأسها الإعلام المحلي الذي ما زال في آخر الركب الإعلامي العالمي فهو محدود الانتشار، ليس لاعتبارات لغوية أو ثقافية وإنما لضعف في فهم احتياج المتلقي المحلي والعالمي فيما يخص الحج كفريضة وكاستراتيجية وطنية.

ومع ذلك فقد نلتمس العذر، جزئيا، للإعلام المحلي بسبب تعدد الرسائل وتشتتها من قبل قطاعات الدولة المختلفة، فكل وزارة لها خطة واستراتيجية ولكل وزارة تصريح منفصل تماما عن بقية التصاريح ولكل وزارة قواعد بيانات، إن وجدت، غير مرتبطة بمثيلاتها في الوزارات الأخرى.

الحج هو فرصة سنوية ضائعة لوضع بصمتنا على خارطة العالم بل وقيادته في علم الحشود، ونحن الذين نستقبل سنويا ملايين الحجاج في بقعة محدودة وزمن محدود! نستقبل حجاجا من جميع أنحاء العالم يختلفون في أجناسهم وأعمارهم وتعليمهم وأنماط حياتهم ومهنهم وأمراضهم وغيرها من المؤشرات المختلفة والمتنوعة التي تجعل من الحجاج أفضل عينة عالمية يمكن الحصول عليها في نفس المكان والزمان! نستقبل هذه الحشود ونودعها بنفس التقارير والمقابلات والإعلانات المنمقة بإحصائيات بدائية لا تضيف للحاج ولا لحملته ولا لدولته ولا حتى لنا الشيء الكثير، فنجاح الحج صحيا على سبيل المثال، لا يقاس بالأعداد والنسب وإنما بالمعدلات ومقارنتها ب"معدلات" الأعوام السابقة وإلحاقها بتقارير محلية وإقليمية وعالمية منشورة في قاعدة بيانات تفاعلية تقارن، مثلا، مؤشرات الحجاج الصحية بالمؤشرات الصحية لتجمعات الحشود العالمية الأخرى في نفس العام في محاولة لمعرفة فاعلية التطعيمات وانتشارالإصابات وغيرها.

نجاح مواسم الحج السابقة غالبا ما يخبو مع آخر تقرير إعلامي لموسم الحج ولا يتبقى سوى تقارير ورقية تعدها الوزارات للأرشفة مع العلم أنه لكل وزارة قاعدة بيانات خاصة بالحجاج، وبالخدمات المقدمة لهم، ومع ذلك فإنه لا توجد لدينا حتى الآن قاعدة بيانات تفاعلية موحدة تجمع بيانات الحجاج الديموغرافية ومؤشراتهم الصحية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها. قواعد البيانات "الخفية" السابقة لا ترى النور ولا يتم ربطها مع الأخريات فكل يغني على ليلاه لينتهي الحج بعشرات التقارير التي قد يناقض بعضها بعضا لاختلاف المنهجية والأهداف والميزانيات.

قاعدة بيانات الحج الموحدة هي مطلب مهم لأسباب عديدة، محلية وعالمية، فمحليا ستكون شاهدا على حجم الجهود المبذولة وأداة يمكن من خلالها قياس جودة أداء الوزارات وإطارا تستقى منه الأولويات والاحتياجات للقطاعات المختلفة وبالتالي بناء استراتيجية وطنية لموسم الحج تحت شعاع الشمس لا ضوء القمر.

وجود مثل هذه القاعدة سيتيح المجال لتوثيق مواسم الحج علميا وذلك باستخدامها للبحوث والنشر العلمي في جميع المجالات المتعددة لعلم الحشود كطب الحشود وعلم التأهب للطوارىء وأمن وسلامة الحشود والهندسة التطبيقية وعلم إدارة وتنظيم الحشود وغيرها، فكما نعلم فإن النشر العلمي هو تأريخ تعجز عنه المؤسسات الإعلامية. قاعدة بيانات الحج الإلكترونية التفاعلية ستكون من نوادر قواعد البيانات في علم الحشود ومتى تم إنشاؤها وتفعليها بالشكل المطلوب فإنها قد تكون الأولى عالميا لتفوقها على مثيلاتها بتكرارها سنويا.

إنشاء هذه القاعدة سيكون أحد المنافع التي وعد الله بها الحجاج، فوجودها سيساهم في مساعدة الدول الإسلامية النامية والتي قد لا تمتلك القدرة على بناء قواعد بيانات ومعلومات تفصيلية لحجيجها وقد تكون البذرة التي تبنى على أساسها قاعدة بيانات حج تصب بها قواعد بيانات الحج للدول المختلفة بحيث تتبع لرابطة العالم الإسلامي على سبيل المثال. نحن في عصر المبادرات فكيف بمبادرة كهذه من الحجيج للحجيج وللعالم والعلم فنحن أولى بها وبشرفها.