غداً الخميس تزحف إلى عرفات مجاميع الحجيج التي جاءت من كل فج عميق، من الداخل ومن الخارج، منهم من جاء بواسطة الطائرات المحلقة في الأجواء، ومنهم من ركب الجواري المنشآت في البحر، وآخرون ركبوا الحافلات التي تطرق بوقعها شرايين الأسفلت الممتدة عبر السهول والجبال.. أمواج بشرية تتقاطر لتجتمع بكل اختلافاتها اللونية والعرقية واللغوية على صعيد واحد، وهدف واحد حيث تتفرع رغم اختلاف الألسنة ـ بنفس الرغبات والدعوات التي تبتغي خير الدنيا والآخرة. تأتي هذه الجموع وهي تنوء بأحمال الذنوب ومجاميع المعاصي، لكنها مع هذه الأوزار العظيمة لا تقنط ولا يداخلها اليأس وهي ترفع أكفها بالدعاء إلى ملك الرحمة ورب المغفرة ليصفح عنهم ويتجاوز عن ذنوبهم ويمحو خطيئاتهم.

يا له من مشهد عظيم تتوحد فيه المشاعر والرغبات وتتلاشى فيه المقامات ويتجانس فيه البشر بلا طبقية ولا فوقية ولا تمايز بينهم لرئيس أو غني أو وجيه، فكلهم في هذا المشهد واحد ولا كرامة لأحد على الآخر إلا بالتقوى.

إن موسم الحج من أكثر الملتقيات البشرية تميزاً وفرادة.. فيه يعود الناس لبكارة الخلق حيث تنصهر الجموع في ملابس متقشفة لا تمايز فيها بين غني أو فقير، فكلهم يعتمرون فوطة بيضاء، ويتعرون من المخيط ومن الملابس الداخلية، كما يتعرون بذنوبهم أمام خالقهم وربهم الواحد، يستمطرونه الصفح والمغفرة.

والحج سياحة عبادية تكتنفها المشاق وتتسم بالزهد وهجر اللذائذ والتبسط في المسكن والمأكل والمشرب، لكنها مع ذلك سياحة غنية وثرية وعامرة بالروحانية ومشمولة بالرضا النفسي الذي تورثه طقوس المشاعر خلال رحلة الحج في منى ومزدلفة ورمي الجمار والهدي والطواف، في مسيرة بشرية هادرة لا تضاهيها أي تجربة وأي رحلة سابقة، فكل الرحلات البشرية فردية أو جماعية تبهت وتنحسر من الذاكرة كلما تقادم الزمن إلا رحلة الحج التي ترتسم صورها محفورة في الذاكرة. ومع تواتر مواسم الحج سنة بعد أخرى وتوافد الجموع من أقطار مختلفة وثقافات متمايزة فإن ذلك كله يترك أثره واضحاً في ثقافة أهل مكة المكرمة وفي المدينة المنورة، حيث تتميزان بتنوع بشري فسيفسائي، وهو خليط متجانس من سكان المدينتين المقدستين الأصليين وبعض الحجاج الذين تقاطروا خلال أزمنة مديدة على مكة والمدينة ثم آثروا البقاء وتناسلوا جيلا بعد جيل وتوطنوا هذه البلاد وصاروا من أهلها المخلصين، وقد تركوا على مر الزمن بصمتهم الواضحة من خلال تنوع الثقافات والمذاقات وانصهار ذلك مع هذا الاختلاف البـشري، وهذا بدوره هو ما أشـاع جو التسـامح عبر التعايش الإثني الذي توحـد وتجانس في هذه البلاد المباركة، وهو المتوحد أصلاً في عقيدة التوحيد الإسلامية.

غداً الخميس هو يوم الوقفة الكبرى، وهو يوم عرفة، وهو يوم الحج الأكبر، حيث تحتشد الأفواج على صعيد واحد ترتفع الأكف والأبصار شاخصة تسأل الله أن يحوطها برضاه ومغفرته، وأن يشمل الجموع برحمته بعد أن تنكبت المصاعب والمشاق قادمة من فيافي الأرض وجهاتها الأربع ترجوه وتسأله من كل مشيئة دنيوية وآخروية، تسبح بحمده وتثني عليه بما هو أهله.

غداً يوم عرفة.. يوم الحج الأكبر حيث تقف الجموع بأبسط الأردية في بروفة مصغرة لمشهد يوم القيامة حيث الرجاء والخوف.

غداً يوم عرفة حيث يباهي الله ملائكته بهذه الحشود التي تركت الأثير والكثير وجاءت ترجو الرحمة والمغفرة من الكريم الرحيم.

اللهم اقبلنا إذا نحن إليك أقبلنا، واغفر لنا وقد استغفرنا فأنت المرجو وأنت الغافر وأنت الملاذ والملجأ الأوحد لتعفو عن كل صبواتنا وزلاتنا وسقطاتنا التي لا يحصيها إلا أنت سبحانك.

من شعري:

رباه إني قد يئست فدلني

درباً يزيد عزيمتي إصراراً

إني بحثت بهمتي عن مخرج

فوجدت روحك لا يحد مساراً