تأتي في المثل الشعبي إشارات جمالية طالما وقف العقل إزاءها متأملاً معطياتها. وطبيعة محتواها. بوصفها معنى متداولاً كسلوك وفعل وفلسفة حياتية تتسم بالعمق والتجربة، فهي تربط بين الفكرة في ذهن المتحدث والموقف المعاش واللحظي، وتستمد قيمتها من الجوهر والقدرة على التوصيل. والتعالق ما بين النص القولي ومقتضى الحال، فالمثل يعتمد على الإيماء والاختصار والتكثيف والاقتراب من صميم حياة الناس. وإرهاصات حراكهم الزماني والمكاني عبر الذاكرة التاريخية، ولكن هل كل الأمثال الشعبية ذات بعد إيجابي. ومؤثر في الوعي الجمعي. وذات تشكيل يفضي إلى مواقف مفعمة بالخيرية والمقصد النبيل. والسلام الروحي، لا أظن ذلك فقد سمعت كثيراً من هذه الأمثال المبتذلة والمرذولة التي تصدع الحس. وتؤذي الذائقة ومنها: (أُمٌّ بلا بها الشيطان) فمتى كانت الأم ذلك القنديل الأخضر. وعطر الأرض. ودفء القلب بتلك الصورة المسكونة بالكراهية وغبار المعصية؟ والآخر يقول: (عجزت من أمي فجتني بأمها) وكم أشفق على تلك الأمهات وهن ضحية لهذه المواقف السلبية والتمزق الاجتماعي. ويأتي مثل غرائبي آخر ليقول: (الفم الباصم لا يدخله الذباب) والباصم هو الساكت الذي لا يتكلم. أي أننا أمام كائن هلامي لن يشهد بالحق. ولن يحرك لسانه بقول. ولن يصرخ ضد فساد. ومن الأمثال المضادة للسلوك الراجح والقيمة الإنسانية المبتغاة. قولهم: (كثرة الصبر وداه القبر) وكأن صاحب هذا المثل لم يعلم أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذكر الصبر في القرآن الكريم في تسعين موضعاً قال تعالى (واصبر وما صبرك إلا بالله) وقال سبحانه (واصبر لحكم ربك) وقال جل من قائل (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) ومن الأمثال ذات النبرة المتناقضة والمفرغة من الحقيقة قولهم: (كلام العاقل ينقص نصفه) ولماذا ينقص إذا كان مجسداً للموضوعية. وصادقاً لا تشوبه شائبة؟ ولا يتوقف مسلسل الأمثال المضطربة والمتشحة بالمضامين غير المدركة كقولهم: (مع قومك ولو ضلوا) وهذا قمة الانقياد الأعمى. والانفلات المقيت وتغييب الذهن. ويأتي المثل الأخير ليطرح تصوراً غير منسجم مع تجليات الإيمان. ومنطلقات الروح المطمئنة لرحمة الله حيث يقول: (لا ضيق إلا في القبر) ونسي صانع هذا المثل أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يجعل قبر المؤمن روضة من رياض الجنة، ففي الصحيحين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن إذا حضره الموت بُشر برضوان الله وكرامته).