الآمال والتطلعات الأقل تواضعاً عن نظائرها في ذهن جيل سابق أفضل من تراهات ومواويل الوهم الذي يحلو لنا تخاطره في أحاديثنا المتذاكية عن المستقبل.
لَكَم أنا آسٍ وحزين لأمة تستنشق أتربة الزمن الغابر برئتين ضيقتين ممتلئتين بالغازات السامة ومداخن الحروب.
وكيف لا يغدو الحديث عن التطلعات المستقبلية مدعاة كمد وحزن، ونحن لا نرى غير المحطات السلبية من الماضي تتقدم بثقة وزهو منجزة حضورها الاستباقي بين يدي المستقبل.
انظر إلى ما يمثله الحجيج من مفارقات تعكس حال أمة جمع الله شملها على كلمة التقوى وندبها للقيام بأسمى المهام ودعاها لإقامة الموازين القسط وجعلها شاهدة على العالمين بوصفها خير أمة. وتأمل ملياً في أحوالها حين لا يوافق القول العمل..
ما من مشهد عظيم الدلالة والبيان يفوق احتشاد الأمة الإسلامية حول الكعبة المشرفة ووقفتها التعبدية على صعيد عرفة والتئام عرى الحجيج القادم من كل حدب وصوب إيذانا بزوال الفروق الاجتماعية وتواشج اللغات والمذاهب والألوان في إطار كلمة التوحيد بما هي مفتاح التوحد والوحدة..
نحن فعلاً أمام مشهد مهيب وإن لم تكتمل قراءته ولم نبحث كثيراً في إمكانات التعاطي مع دروسه وطرق استدامة القيم المتصلة بطقوسه الروحية.
أي إن ثمة حاجة لاكتشاف المادة الحافظة لقيم الحجيج وتأكيد قدرة الأمة الإسلامية على تحويل تلك المنظومة القيمية الجليلة من شعائر روحية محضة إلى معادلات رياضية فاعلة ومؤثرات مادية تعزز تماسك المسلمين وتدفع نحو اقتران الروح بالمادة إعمالاً لقول رسولنا صلى الله عليه وسلم (المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف).
يوفر الاحتشاد الأممي النادر حول الكعبة صورة فريدة من صور التلاحم الحيوي بين مختلف الشعوب الإسلامية غير أن المفارقة المؤسفة تبدأ فور الانتهاء من أداء الشعائر التعبدية واستئناف حجاج بيت الله مناشطهم الدنيوية ليرشق بعضهم بعضاً أضعافاً مضاعفة من رشقهم الجمرات! ولا يتورع بعضهم عن اللجوء إلى ممارسات تستبيح حرمة الحياة وتحض على إزهاق الأرواح بذرائع واهية تتقمص الإسلام وتسيء أيما إساءة لمضامينه المشرقة ومفاهيمه المستنيرة ووسائله السوية في التعبير عن منهجه في معالجة التباينات الفكرية وكيفية التعامل مع الخصوم.
هنا وعلى مدى أيام السنة يتدافع عشرات إن لم أقل مئات الآلاف من المسلمين على مدى أيام السنة لزيارة بيت الله الحرام والسلام على رسول الله الكريم صلى الله عليه وسلم بيد أن كثيراً منهم لا يعد ذلك محطة مهمة تدعو لمراجعة الذات وتقويم النفس وتهذيب الممارسة اليومية وتكريسها في خدمة أمته الإسلامية والمساهمة في بناء مكونات قوتها وتكامل مقدراتها وتنمية عناصر الوحدة والتوحد بين مجتمعاتنا المسلمة.
لقد كانت التطلعات المرسومة في طروحات جيل سابق من قادة ومفكري الأمة الإسلامية أكثر قرباً من التحديات التاريخية وأشد التصاقاً بقيم الحجيج مما هو عليه حالنا الراهن..
إن ردم الفجوة التي تتسع يوماً إثر آخر بين الإسلام وواقع وممارسات المسلمين هي أهم الأولويات الماثلة أمام الحكومات الإسلامية ومجتمع الحجيج ولعل هذا الأمر هو ما حدا بالمفكر الأميركي (لو ثروب ستودارد) في كتابه (حاضر العالم الإسلامي) لطرح سؤال ذاهل.. لماذا الإسلام راق بذاته والشعوب الإسلامية متخلفة وغير راقية؟
ولعل الحيرة نفسها أدركت الفيلسوف جارودي بعد اعتناقه الدين الإسلامي الحنيف..
ومما يضاعف الحسرة أن تكون الرؤية الفكرية لدى المتقدمين من قادة ومثقفي الأمة واضحة تجاه التحديات المصيرية لشعوبنا المسلمة بينما لا نرى في حاضرنا المعاش رؤية علمية تعالج التشوش الذهني والتضاد المذهبي وتضخم الاستبداد السياسي المطبق على أمة تتعبد الله بضعفها وتتقرب إليه بوهنها..
لنسأل بتجرد.. أي مستقبل نتوقعه لعالمينا العربي والإسلامي وهما لم يستوعبا بعد نتائج الصمت إزاء مسلسل الإبادة ضد الشعب السوري.
وأي نهضة يمكن التفكير بها في ظل انتقال الصراع المذهبي من دائرة التثاقف بين المرجعيات الدينية إلى مراكز اتخاذ القرار لدى بعض الحكومات الإسلامية..
وإذا ما قدر لهذه الأمة استعادة وعيها والنفاذ إلى جوهر عقيدتها.. فكم يلزمها من الوقت حتى تسترد مكانتها الحضارية.
إن كان ثمة بداية جادة ترجى في ظروفنا الراهنة فلتكن مكة مركزها انطلاقاً من مبادرة خادم الحرمين الشريفين وقرار القمة الإسلامية بإنشاء مركز للحوار الإسلامي الإسلامي، والإسلامي العربي
ولعمري إن ذلك هو الفريضة الغائبة أو بالأصح المغيبة عن أشد حاجات الأمة إلحاحاً وأكثرها جدوى.