هناك تاريخ طويل من الصراع بيننا والغرب، وصل إلى ذروته في الحملات الصليبية، ثم في موجة الاستعمار المعاصر وما خلّفه من نتائج. ولكن بعد نشوء وسائل الحضارة الحديثة وما فرضته من سهولة التواصل والحوار، هل يمكن لنا أن ننسى ذلك التاريخ الدموي المليء بالظلم والاستبداد بيننا والغرب؟
دائما لغة الصدام ودعاوى البطولة والوطنية جذابة، وطالما استخدمها المتسلّقون لأجل الضحك على الشعوب والبسطاء! وغالبا ما تستخدم لتغطية الفساد والاستبداد أو للتسلق والوصوليّة! ولو أنهم قدموا العدل والإصلاح لكان أنفع لهم وبلدانهم. لدينا تجارب كثيرة للصّداميين في تاريخنا المعاصر، ومن شتى التيارات، بدءا بالقومية والاشتراكية وانتهاء بالإرهاب والتطرف، وما هي النتيجة إلا الخيبة والمصائب على الشعوب الفقيرة!
كما إن لدينا تجارب ربما أكثر في السلام الاستسلامي، الذي يكون سلاما لصالح طرف واحد ربما، وكثير من تلك التجارب في الحقيقة وقعت بين أشخاص جشعون لا همَّ لهم إلا الحفاظ على الكراسي المهترئة، وبين الحكومات الأقوى من شرق وغرب، والتي تسعى للحفاظ على مصالح شعوبها، ولذلك كانت النتيجة أن تلك البلدان نعمت بالأمن والاستقرار نوعا ما في تلك الفترات، إلا أنها تراجعت للوراء كل سنة بسنتين للخلف!
وبالنظر للغرب وتاريخه الطويل في الصراع الدموي، إلا أنه استطاع تحويل نظرية الصراع إلى تنافس حضاري بينهم ونسوا ذلك التاريخ الدموي الطويل، فكما تمكّنوا من إيجاد آلية لحلّ الصراعات السياسية والثقافية داخل البلد من خلال الديموقراطية، فقد تمكنوا من حل صراعاتهم بطرق وأساليب حضارية تنافسيّة سلمية. أما الشرق فقد حقق بلا شك تقدما كبيرا في هذا المجال؛ إلا أنه حتى الآن لم يحقق نظرية التنافس الحضاري ليصل للمستوى الغربي، وما زالت هناك بؤر صراع يمكن أن تتطور إلى حرب في وقت ما.
إذا نظرنا إلى موقف الغرب من الربيع العربي، ووقوفه إلى جانب الشعوب العربية، فإن ذلك يثبت وبوضوح أن التصالح ولغة المصالح يمكن بناؤها مع الغرب أو الشرق، الأمر الذي لا يمكن أن يفهمه بعض المعتادين على اللغة الصّدامية أو المؤامراتية، وما زال البعض يستعصي عليه فهمها حتى الآن! ومع تسارع تطور العلم والتقنية واتساع الهُوَّة العلمية والحضارية للأسف بيننا والدول المتقدمة؛ فإنه لا يمكن أن نبني اقتصادا ونهضة بلا تواصل مع العالم. فالذي بنتْه الدول المتقدمة في مئة سنة من صناعات ثقيلة وتقنية وتكنولوجيا؛ لا يمكن لنا أن نبنيه في أعوام! كما يستحيل بناؤه دون وجود تبادل للمصالح وتعاون مع أصحاب تلك التقنيات والتكنولوجيا.
إن الشرق (الصين وروسيا -ربما-) لديه مصالحه الخاصة أيضا، وقد تتقاطع مع مصالحنا معه كذلك، مثل ما يحصل الآن في سورية! هذا الشرق الذي كان يُعوّل عليه الكثير لتحقيق توازن، إلا أن موقفه في سورية يثبت أن منطق الهروب للشرق باستعداء الغرب لا يمكن أن يدوم وينجح، إنما هو التوازن في المصالح والعلاقات مع الشرق والغرب.
هناك ظروف استثنائية تكون فيها لغة الصراع ضرورية، إلا أنها يجب أن تبقى استثنائية، كتهديد الأمن الوطني وما شابه. وبعض التيارات لو طبقت آراءها السياسية بشكل حرفي (دون تقديم تنازلات عند الطمع في الكراسي)؛ فإن النتيجة ستكون علاقات دولية ربما مقتصرة على دولة أو اثنتين! والبقية في خانة الأعداء! وهذا من مسبِّباته؛ الانغلاق التام الذي يعيشه أتباع تلك التيارات بالإضافة إلى الفقر الثقافي في السياسة وانعدام الممارسة سبب تكدّسا وتراكما شديدا للأفكار التي لا يمكن تطبيقها إلا في عالم الخرافة والخيال! أو أن تكون النتيجة كمصير صدّام وطالبان اللذين جرّوا على بلدانهم الدمار على مدى عقود حتى بعد ذهابهم، وستظل تلك البلدان تعاني ربما لعقود قادمة جرّاء سياساتهم! ليس هذا تبريرا لما فعله المحتلون في بلدانهم من خراب ودمار، وإنما محاسبة لما سببه أولئك القادة البائسون على بلدانهم، دون أدنى تفكير فيما قد تُسببه تصرفاتهم على البلدان!
إن المؤسسات التجارية المحترمة دائما ما تعمل تقييماً لواقعها وماضيها من خلال دراسات استشارية ومن جهات مستقلّة عنها، كي تعرف مدى حقيقة وضعها ومكامن قوتها وضعفها، وكلما كانت الدراسات الاستشارية أكثر استقلالا صارت الدراسة أكثر فائدة وواقعية، فلماذا لا تفتح التيارات الفكرية والسياسية لدينا صفحة جديدة لدراسة الواقع، بشرط تخليها عن الحبال التي تقيّدها بخيالات وأساطير ماضيها؟
وللأمانة؛ فإن هناك تغيّراتٍ كبيرة في مسار تصحيح الأفكار لدى التيارات المنتشرة على الساحة العربية، خاصة بعد الربيع العربي، الذي ساق تلك المراجعات في مدة قصيرة لم يحققها أولئك ربما في عقود! وهي قد تقودنا إلى التفاؤل؛ إلا أننا إذا لم يكن لدينا آليات للمراجعة والمحاسبة لأفكارنا من تلقاء أنفسنا، فإن أحداثا أخرى ربما تسوقنا أيضا للوراء مرة أخرى طالما أن الأحداث هي التي تسوقنا للإصلاح والمراجعة، ولا نبدؤها نحن بأنفسنا!