-1-

كلمة "عبيد" كلمة قبيحة ومهينة، في كل قواميس العالم، وفي كل تاريخ الشعوب. ولكنا – نحن العرب- كنا نقرأ هذه الكلمة منذ عهود قريبة، ولا نشعر بالمهانة الكبيرة، التي كانت تلحقنا من جراء استعمال هذه الكلمة.

فقد قرأنا في تاريخنا المعاصر، أن سلاطين آل عثمان، كانوا يخاطبون المسلمين الذين قال المؤرخ المصري محمود شاكر، إن العثمانيين جاؤوا لتوحيدهم، ونصرتهم بالعبارة التالية:

"بلغوا عبيد بابنا العالي".

وكان ولاة العثمانيين الباشوات، يخاطبون رعاياهم المسلمين، بالعبارة التالية:

"أنتم عبيد إحساناتنا".

-2-

وفي الجزء الرابع من كتاب "الكافي في تاريخ مصر"، نقرأ رسالة وجهها الخديوي توفيق (1852-1892م) إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1876-1909م) على إثر خلع والده الخديوي اسماعيل، وتوليه حكم مصر، قال فيها:

"إن تكرَّم حضرة صاحب الخلافة الأقدس الذات، بتوجيه مقام الخديوية لعهدة هذا العبد، كان دليلاً على وجود عبدكم مشمولاً بفيض النظر الملوكاني. عالماً علم اليقين، أن سلامة الخديوية المصرية، وسعادتها، وموفقية عبدكم الكاملة، يحصلان بالثبات على قدم العبوديةـ والتابعية، للسلطنة السنيّة".

وكان الشيوخ في العهد العثماني، يوقِّعون ما يرفعونه للسلطان، بتوقيع:

"العبد الحقير". كما ذكر المؤرخ أكرم كيدو في كتابه "مؤسسة شيخ الإسلام في الدولة العثمانية"، 96).

-3-

وكان المثقفون في بلاد الشام، إذا تجاسروا "مرة في العمر"، ورفعوا خطاب شكوى إلى الباب العالي، بدؤوه بقولهم:

"أتوسل إليكم أيها السلطان المعظم، أن تمعنوا النظر في هذا الكتاب، لأنه صادر عن عبد مخلص لسلطانه".

وهذا، من مقدمة خطاب رفعه العلماني الشامي المعروف شبلي شميّل (1850-1917م)، للسلطان عبد الحميد الثاني تحت عنوان "شكوى وآمال"، في عام 1896 (كتابات سياسية وإصلاحية، ص 9).

وكان المثقفون الشوام يوقِّعون خطاباتهم المرفوعة للباب العالي بتوقيع:

"عبدُ جلالتكم".

-4-

ومن هذا المنطق والمنطلق، كان سلاطين بني عثمان يصادرون أموال، وعقارات الولاة، بعد عزلهم، أو وفاتهم، حيث كانت الإدارة العثمانية تعد الولاة وكبار الموظفين في الدولة عبيداً. ولما كان من حق السيّد أن يرث عبده، فقد أصبح من حق السلطان، أن يرث كل أو بعض أملاك أصحاب المناصب وهم أحياء بعد عزلهم، أو بعد وفاتهم، سواء تركوا ورثة، أو لم يتركوا.

وأصبحت ظاهرة امتلاك العبيد من سود وبيض منتشرة في مجتمعات البلدان الإسلامية، التي كانت خاضعة للحكم العثماني. وكانت بلاد الشام سوقاً كبيرة لاستيراد وتصدير العبيد من سود وبيض إلى نواحٍ مختلفة. كما استخدم الأعيان، والولاة، والأغاوات، والأثرياء، وعلية القوم، كثيراً من هؤلاء العبيد في القصور والسرايا والبيوت. كما يقول لنا المؤرخ أحمد عزت عبد الكريم في كتابه "مقدمة حوادث دمشق اليومية"، ص 39).

-5-

ولذلك، كان حقاً للمؤرخين الغربيين ومنهم المؤرخ الأميركي المعاصر بيرنارد لويس إطلاق تسمية: مؤسسة العبيد Slaves Establishment على الإمبراطورية العثمانية. في كتابه Istnabul and the Civilization of the Ottoman Empire (ص 149).

في حين كان الإمام الأكبر أبو حنيفة، الذي كان يتبع العثمانيون مذهبه الفقهي، قد أفتى منذ مئات السنين، بأنه لا شهادة للوزير، لأنه يقول للخليفة "أنا عبدك".

ولا تقبل شهادة لعبد.

وكان أبو حنيفة يقول:

"إن صَدَقَ الوزيرُ فهو عبدٌ، ولا شهادةَ له. وإن كَذَبَ فلا شهادةَ لكاذبٍ".

وكذا الأمر، كان ينطبق على جميع رعايا السلطنة العثمانية، لأنهم كانوا عبيداً، حالهم حال الوزير، فلا تجوز شهادتهم، صدقوا أم كذبوا!

-6-

فهل اختفت كلمة "عبيد" من القاموس السياسي العربي، أم ما زال مفعول هذه الكلمة والإحساس بها في دمائنا، منذ مئات السنين، تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل، رغم أن الإسلام الحنيف، شدد على ضرورة تحرير العبيد، وإلغاء الرق؟

وقال عمر بن الخطاب كلمته المشهورة:

"كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"

ولكن ما تمَّ في العهد العثماني، يرينا إلى أي مدى ابتعد هذا العهد عن مبادئ حقوق الإنسان، وكان أثره السلبي الكبير في بلاد الشام (سورية ولبنان وفلسطين والأردن) خاصة، التي حكمها طيلة أربعة قرون (1517-1918م) مدمراً وقاتلاً، وأدى إلى نشوء ديكتاتوريات سياسية واجتماعية.