عندما كنت أدرس في الخارج ـ أي كما يقال من أيام ما حفروا البحرـ كنت أتابع برنامجا على المذياع يبث في آخر الليل، لماذا؟ بصراحة كي أنام على صوته فقط، أحيانا كان يأتي بمواضيع ترفع الضغط، لكثرة المغالطات التاريخية، التي كان يزرعها في عمق ضمير المستمع الأميركي، ولم أكن أعرف حينها كيف أتصل واصحح المعلومات، وإن استطعت أن أصل هل كان سيدعني أكمل حديثي؟ لا أظن، ولكنني حينها كنت من فريق: "لا أعرف كيف أبحث.. إذن لا أبحث"، المهم هنا لم يكن يجرؤ المقدم أن يأتي بمواضيع سخيفة، وحين يكون البرنامج للتسلية الخفيفة لم يكن يستخف بعقل المستمع، وأحيانا كان يكذب ويؤلف لكن دون أن يشعر المستمع العادي.
وهذه الأيام، لكثرة التحويلات الفجائية في الطرق، أحيانا أقول أحيانا أندم على تحرك المسؤولين للعمل على توسعة الشوارع وبناء الجسور والأنفاق، أتمنى أن تكون شوارع وجسورا وأنفاقا، ما علينا سوى الانتظار لنرى، أين كنت؟ نعم تذكرت حديثي عن برامج المذياع، أصبحت مثل طرقاتنا أتحول فجأة إلى طريق آخر لا أعلم إن كان سيأخذني إلى حيث أريد أم أضيع مع التحويلات! المهم أنني قررت أن أتابع بعض البرامج الإذاعية، كي أطوي مسافة الطرقات بمتابعة برامج البث المباشر.. ويا لعجب ما تابعت! ليس فقط كذب وتأليف، بل استخفاف بالعقول أيضا، و.. "على عينك يا تاجر"!.
لم أجد برنامجا واحدا يقول للقلب "طق"! بل غالبيتها وهنا لا أعتقد بأنني أظلم حين أقول "الغالبية" تعتمد على الاستخفاف بالعقول والشوارب واللحى! لا أدري لماذا يصرون على توجيه الأسئلة السخيفة، أو حتى استقبال أسئلة أسخف، ولا أدري كيف أن الكثير من المتصلين لا يعرفون الإجابة، بل يطلبون المساعدة! أحيانا من كثرة السخافات تتمالكني الرغبة بأن أفتح النافذة وأصرخ كما فعل مقدم البرنامج في فيلم "Network" "الشبكة"، حين فاض به الكيل، لسبب إعلامي آخر تحدثت عنه في مقالة سابقة، وطلب من جميع المشاهدين أن يذهبوا إلى النوافذ ويصرخوا بأعلى أصواتهم: "أنا في غاية الغضب ولن أتحمل بعد الآن"!، ولكنني بالطبع لم أفعلها؛ كي لا أشحن إلى أبعد مشفى للمجانين، ويستمرون هم في بث جنونهم بكل ثقة وأريحية! بمعنى آخر المسألة خسارة كيفما حسبتها وكيفما تصرفت.
ولماذا لا أغير القناة؟! ومن أين أتيت بصفة "الغالبية" إذن؟! من كثرة تغيير القنوات وبدلا من قضاء وقت ممتع أستفيد منه وأتسلى لحينما أصل إلى وجهتي، أقضي وقتي بتوجيه الأوامر للسائق: "لو سمحت غير القناة يا عبدالصمد"، والمسكين كان من المفترض أن يسمى بـ "عبدالصبور"؛ لأنه يتحمل وربما.. ولماذا ربما؟ بل أكيد أنه فكر بأن يفتح النافذة ويقذب بي خارجها، معلنا تمرده هو الآخر! ولكنه بالطبع لم ولن يفعلها، كي لا يشحن لأقرب سجن، أو أقلها يشحن لبلده، بمعنى آخر المسألة خسارة كيفما حسبها وكيفما تصرف.
لذا.. وليتنا نضع مئة خط أحمر تحت "لذا"، أعلن تمردي على معظم معدي ومقدمي البرامج الإذاعية التي تختص بالمعلومات العامة والتسلية، سواء من داخل البلاد أو خارجها، وبما أننا "فيها"، أركز على خارج البلاد التي تُبث إلينا، وكأننا "تسلية من خلفوهم"، يأتون بصويحبات الصوت المغنج واللهجات المطلوبة طبعا، وكل ما يخرج منهن طبعا مرغوب مرغوب مرغوب، ولا يهم إن كان الكثير من المستمعين، "مرعوب، مرعوب، مرعوب"، عذرا حسبتها غلط، وللأمانة ليس إلا، سأعيد تركيب الجملة: الكثير من المستمعات، "مرعوبات، مرعوبات، منفلجات"! نعم تمردي قد لا يؤثر، فما أنا سوى نقطة في بحر، أو ربما حصوة في أسفل جبل، وقد أكون غربالا لا يمنع تسرب ماء، ولكنني صاحبة قلم وفكر وإرادة، اليوم تحدثت بالموضوع عامة، ولكن غدا سوف أعرض تجاوزاتهن وتجاوزهم وبالتفصيل... أي كل شيء سيسجل بـ"التقرير" الجاهز مسبقا وما علي سوى إسقاط أسماء البرامج ومن خلفها.. لا تستغربوا لقد تعلمت من البرامج الإخبارية، محلية كانت أم عالمية نفس التقارير الإخبارية بتغير بسيط بالأسماء! وما أسهلها اليوم، كل من يريد أن يقطع رزق أحد، أو يحارب من يعتقده عدوا، أو من يحسده على نعم الله عليه، أو حتى كما يقال بالعامية: "غلاسة"، يتجه إلى أي وسيلة اتصال ذكية، ويبث، لا يهم إن كانت نفس القصة حدثت لنفس الشخص بنفس الاسم ولكنه تارة من الكويت، وتارة من الشرقية، وأخرى من تمباكتو! المهم الرسالة: "يا جماعة قاطعوا.. يا جماعة انتبهوا.. يا جماعة لا تفكروا... ليكن النشر عليكم والتفكير علينا"! وعليه ما على المستقبل سوى إعادة الإرسال! من هؤلاء تعلمت، ومن خلال وسائلهم سأبث ثمار تمردي على القنوات إياها، كيف؟ لا أعرف كيف بعد، ولكني لن أحيد عن ميثاق الإعلام الذي على ما يبدو أن الكثير منهم لا يفقهون بنوده، أو حتى لديهم علم به! ولكن يبقى العبد في التفكير والرب في التدبير.