كتبت (هنا) وحتى اللحظة كل شيء. وصفت كل طارئ ورسمت معالم كل قضية. كتبت هنا كل ما يطرب المدارس والأفكار والأفراد والجماعات، مثل ما كتبت على النقيض كل ما يغضب ذات المدارس والأفكار والأفراد والجماعات.

وضعت لقلمي قانوناً من دفتر – الكيمياء – لا من كراسة القوانين الفيزيائية. وكلما رسم الناس من حولي معالم قضية ساخنة أضفت لحبر القلم (عنصراً) كيميائياً كي يقرأ الجميع سباحتي ضد التيار ولون أحباري المختلف في رسم ذات القضية.

لست أبداً أبداً إمبراطوراً في كتابة المقال ولكنني، وبكل الصلف، سلطان الجملة: تلك التي تختصر (سفراً) ضخماً في أربع كلمات وحرف للجر. وكلما نظرت في المرآة، عرفت أنني الضحية الصغرى لهذا الحبر الأسود. كل قضية ملتهبة تغرس آثارها في رأسي شعرة بيضاء حتى اشتعلت الناصية. كل الناس من حولي تشتري أدوية الرشاقة ومحاليل التخسيس وأنا كل عام أتناقص كيلوجراماً كاملاً من الوزن بالفطرة.

وكلما نظرت لأطفالي عرفت أنهم الضحايا التلقائية الكبرى لكل ما كتبت. هم الأبرياء الأنقياء الذين يحملون وزر ما لم يقترفوه، لأن في جيب والدهم (قلما) يحرث في حقول مزارعين وفي مجتمع (الحقول) يصبح القلم شتيمة، بل جريمة. وكلما حاول (أهلي) هزيمتي بإصرارهم على الانسحاب أمليت عليهم مطلع الشطر (الخالد) من بيت الشعر الهائل المخيف: طبعي الصبر، فكأنهم يرددون همساً بقايا الشطر ثم إلى الشطر الذي يليه.

نحن نعرف أن – القلم – قد شطر حياتنا إلى شظايا متناثرة وحفر في نفوسنا جراحاً تستعصي اليوم على كل ما في الدنيا من قدرة جراحة التجميل. لم أكن أبداً أبداً لأبكي أياماً متقطعة عبر الزمن لو أن (الضحية الصغرى) وحدها من يدفع الثمن.

أنا أب يبكي فشله الذريع في أن ينقذ من الضحايا الكبرى أغلى ما يحب. هذا القلم لا يرسم أبداً أسرة سعيدة ولا حياة مكتملة الأركان يعيش فيها الضحايا في الأقل على الحد الأدنى من الكرامة. هم تعلموا مع الزمن أن يذهبوا مباشرة لقراءة ما كتبت كلما قرؤوا في وجهي ما لا أقوله لهم من الحزن والاضطراب أو أقفلت على نفسي باب مكتبي ثم تظاهرت بنوم كاذب. هم تعلموا مع الزمن أن يقرؤوا علي علناً شطر البيت الثاني من مطلع القصيدة الخالدة ومازلت صامداً أعيد عليهم مطلع البيت: طبعي الصبر لكن.....