المدن التي نسكنها هي أيضاً تسكننا.. تختزل أجسادنا ونختزلها في الذاكرة.. إنها محطات الدفء والأمان والحب والجمال التي نبحث عنها دون أن نعي.

هل فارقت مدينتك التي أحببتها؟ غادرتها بلا رجعة.. الغصة في الطرقات وأنت تحمل حقائب السفر.. والدمعة في المأقي.. والوجع يجثم في الصدور؟

كم ودعنا من المنازل.. ومن الحارات.. وكم فارقنا من الأصحاب.. وكم خلفنا وراءنا ذكريات لا تستطيع ذاكرتنا حملها فيسقط منها ما يسقط ويبقى ما نخبئه بين خفايا أنفسنا عله يُبقي لنا الأثر.

تشهد المدن على لحظات إنسانية يصعب نسيانها أو فقدها..عني لقد عاصرت مدنا كثيرة، عشت في حاراتها أو أزقتها وبين أروقتها... وقد هجرتها أو هجرتني، هكذا هي الحياة.

رأت عيناي الحياة في مدينة صغيرة في قلب الوطن هي الخرج.. مدينة كانت حائرة بين الريف والحضر.. بين القرية والمدينة وجمالها الذي صنعه حلمي الطفولي ما زال هو ذاته وإن فارقها كثير ممن أحببت.. كان منزل الأجداد والأهل ومن منا ينسى منزل الأجداد؟ حيث أنت تسود كما تجول وتصول وتلغي عند أقدامك كل القوانين.. كنت أغادرها وأنا أبكي كيف وأنا الأميرة المتوجة في ذلك المنزل!.. أحياء العقم.. والعزيزية.. والسعودية، رافقت تتويجي وفرح الأهل جميعاً الذي أراه في أعينهم يغمرني.. فالطفولة كانت عذبة ولا تنسى وصوري بفستاني الأبيض شاهد خلف جدران الطين التي سقطت مع سقوط الإنسان البسيط وحلت محلها جدران إسمنتية صلبة لا يتخللها دفء أو هواء عليل يجسد مشاعر أهل تلك المدينة الطيبة. لم أر العالم أبعد من مدينة الخرج أو أجمل منها.. مساحتها الخضراء طبعت على نفسي، أحببت عذريتها وصمتها.. وهدوءها الصاخب بين الجدران وإن اختفى.

مدينة الطائف.. ذكرياتي فيها لا تبعد عن خباز حارتنا الذي يصنع رغيفاً صغيراً للطفلة التي تحضر يومياً مع والدها وهي ابنة الأعوام الأربعة.. عدت لها في مراحل مختلفة من عمري، لكنها لم تشكل مساحة واسعة في مخيلتي رغم جمال أرضها.. إنه عامل الزمن الذي خذل ذاكرة الطفلة الصغيرة.

تأتي محطة مدينة الزيت بقيق.. مدينة أصغر.. وأهدأ.. وأحن.. مدينة العمل والبترول وبها حقل الغور، أكبر حقل بترول في العالم.. لكنها بداية الغربة، هكذا رأيتها.. فقد تركت ورائي عمات.. وخالات في أحضانهن كنت أرتمي وأنا التي لم ترتو حتى هذه اللحظة من أجساد الأهل، أحبهم حتى النخاع، ومن يفارق أحبته يجد الغربة تعصره.. أعشقهم بلا خجل، فخلق الله للبشر أماً واحدة وأباً، لكنني كنت معهم ذات أمهات وآباء كثر.

جاءت بقيق.. تغازل وصفي وتأسرني بجمالها الصحراوي، فهي المدينة الملائكية في مسيرتي، إنها تصحو مع ساعات الفجر الأولى لتنام قرب المغرب.. مدينة رسمت أحلامي وآمالي وطموحاتي.. مدينة لم تغادرني وإن غادرتها.. وبقي معي أهلها وكل من عرفته هناك حتى هذا الزمن.

الرياض العاصمة.. وكما هي عواصم العالم.. بكل صخبها وتمردها.. هذه المدينة تحاول أن تسرق مني ملامحي.. جاء سكني فيها محطة تحمل المسؤولية والدراسة الجامعية.. عشت الوحدة رغم البشر.. فملامح الرياض لا تشبه ملامحي.. وفتنتها لا تسحرني، بل على العكس أجد رغبة عارمة في مغادرتها.. وإن كان لها بريق يخفي وراءه كل التفاصيل.. تبهرك أضواؤها لكنها لا تضيئك.. كان ليلها مخيفا ونهارها مستعرا.. تسرعك.. وتهرمك وأنت لا تعي.. نهارها حار لا يطبع على أحاسيس أهلها وليلها البارد لا ينعشهم.

خرجت منها مسرعة حتى لا أفقد معاني جميلة أحببت أن أحتفظ بها وتبقى لي..

مدينة الدمام هي المحطة الخامسة.. جاءت مع إنسانة تكونت فكانت من تريد أن تنهض بالمسؤولية العملية تجاه ذاتها ومجتمعها.. الدمام هذه المدينة التي كانت درة على شاطئ الخليج ومع الزمن هرمت سريعاً.. معها بدأت أمارس ما منعت نفسي منه سنوات وسنوات.. انفتحت على العالم.. وأبحرت في عالم الإعلام بعد أن كان هواية خلال المراحل الدراسية.. وهو العالم الذي كان يستهويني ويجذبني، فكانت مشاركات كثيرة.. لكن ظلت الدمام كمدينة خذلني تأخرها وإهمالها وكنت أعتب على أبنائها وكل من سكن بها... فكنت أحزن لها في اليوم ألف مرة على ما وصلت إليه.

سريعاً فارقت مدينة الدمام إلى مدينة الظهران.. وهي المحطة الأهم، فيها كان نصف يكملني يمد يداه ومعه خُلق لي خمسة كائنات جميلة وبريئة.. شهدت الظهران أجسادهم وهي تنمو وبحنو عرفت معنى الأم.. مع الظهران كانت تفاصيل العطاء والبذل والإيثار ومعاني الأمومة التي لا تنتهي.. هنا كان يجب أن أفكر بأخرين فيهم شيء بل أشياء مني.

وهل ضاق بي الوطن.. هل أحلامي وآمالي وطموحاتي انتهت؟ لكن الحقيقة أن الحقيبة اتسعت وكانت الغربة الأكثر ألماً.. في البدء كان الانبهار في مدن أكثر عالمية، كيف؟ ومدينة لاهاي بهولندا هي مدينة العدالة العالمية.. مدينة محكمة العدل الدولية، ويوغسلافيا ورفيق الحريري وكل المحاكم الدولية..إنها لا تبعد عني سوى أمتار لكن عدلها خذلني حين بدأت أبحث عن ذاتي في جنباتها.

قريباً من لاهاي.. تحديداً قرية أو ضاحية Wassenaar، هذه القرية التي تغازل السحر.. والجمال، والحياة.. أسكن مع أولئك الذين اختير بلدهم ثاني بلد في التسامح والتعايش وتقبل الآخر.. أقيم بين الهولنديين وما يزيد عن مئة وثمانين جنسية من مختلف بلاد العالم جاؤوا إلى هنا.. يحاكون الحياة الأجمل.. كل التفاصيل تنادي الحياة وتختارها.. يكفي أن تستلقي على كرسيك وتسرح في خيال ساحر يسافر بك في عوالم أخرى.

لا تتشابه المدن.. وإن كانت تفاصيلها متشابهة؛ منازل وشوارع وحارات وأناس، لكنها تختلف في مواسم الفرح، والحزن.. في كثير من القصص والحكايات القديمة والجديدة، نسردها لأنفسنا نعزيها حين يحل موعد الرحيل.

لم تنته محطاتي وحكاياتي عن مدن كانت معي حاضرة قد أمر بها مرور الكرام أو أغادرها على عجل، لكن لن أنتظر الحكواتي أو الراوي، فلكل منا قصصه، ولكل منا محطاته التي لا تنتهي عن مدن عشناها وعايشناها وهي تفتح أذرعها تستقبل هذا الإنسان المتعب والباحث عن الأمان.. ورغم صغر المدن أو كبرها.. لكنها دائماً هي من يحتضننا بين جوانبها، حين ينهكنا الرحيل.