لم يكن طبيب الامتياز "فرانسيسكو بويسو Francisco Bucio" يعلم ما يخبئ له القدر صباح التاسع عشر من سبتمر 1985، حينما ضرب زلزالٌ مدمر العاصمة المكسيكية "مكسيكو سيتي" عند السابعة وتسع دقائق، وبثمان درجات بمقياس ريختر!.
فجأة، وبينما كان يستعد لبداية جولته اليومية في الدور الخامس من مستشفى "مكسيكو سيتي"، وجد الطبيب الشاب نفسه تحت ركام خمسة أدوار من مستشفاه، بعد أن باغته الزلزال المدمر، والذي حصد أكثر من عشرة آلاف من البشر حسب الإحصاءات الرسمية.
تحت أطنان من الحطام والظلام، وأنين الجرحى، وروائح الموتى من حوله، تحسس "فرانسيسكو" أطراف جسده الجريح، فوجد يده اليمنى محتجزة تحت بقايا عمود خراساني ثقيل، حاول تحركيها لكنه أدرك استحالة ذلك، والأسوأ إدراكه أن عدم وصول الدورة الدموية إلى يده يعني موتها، وضرورة بترها، مما سوف يقضي على أحلامه في ممارسة الطب، وبالذات التخصص في جراحة التجميل.
على مدى أربعة أيام بطيئة، تحمل "فرانسيسكو" آلامه الشديدة، ما بين فقدان وعي أو يقظة متقطعة، زاده خوفه المريع على يده المحتجزة، بينما كانت فرق الإنقاذ تعمل ليل نهار، ومعهم والده وإخوته الذين لم يفقدوا الأمل، حتى وصلوا إليه، ولم يفسد فرحة عثورهم عليه سوى إصرار فرق الإنقاذ على ضرورة بتر يده اليمنى حتى يستطيعوا انتشاله من تحت الأنقاض. رفض والده هذا الاقتراح، وأصر على دفع فرق الإنقاذ للعمل ساعات متواصلة، حتى رفع العمود الخرساني بشكل كامل، ومباشرة نقل الطبيب الشاب نحو المستشفى الميداني، والذي أصر جراحوه على بتر أصابع اليد اليمني الأربعة على الأقل، ذلك أن عدم وصول الدم لتلكم الأصابع جعل أعصابها تموت، وأصبح من الضرورة بترها للحفاظ على سلامة بقية الجسد، وهذا ما حدث. بعد أن أفاق "فرانسيسكو" من عمليته الجراحية، هاله ما خرج به من تلك الحادثة، لقد بقي على قيد الحياة، لكنه فقد أصابع يديه اليمنى، مما جعله يدرك أنه لن يستطع ممارسة الجراحة بيد واحدة!. خلال الأيام التالية وقع "فرانسيسكو" أسير هواجس متضاربة، ثم حالة اكتئاب شديدة، لكنه كان ما يزال متمسكا بحلمه القديم أن يصبح يوما ما جراحا شهيرا، ومختصا في علميات التجميل!. قاده تفكيره المتواصل إلى فكرة جنونية، لكن الأسوء منها هو إيجاد طبيب جراح يؤمن بها، ويستطيع القيام بها!. كانت الفكرة هي نقل أصابع قدمه لزراعتها في يده اليمنى! وهكذا وخلال أربعة أشهر وجد "فرانسيسكو" نفسه في إحدى غرف عمليات "مركز كاليفورنيا باسيفك الطبي CPMC" الأميركي، بعد أن أقنع البروفسور "بونكا Buncke" بقيادة العملية التي اشترك فيها ثماينة جراحين مختصين، واستمرت أربع عشرة ساعة ونصف، واستخدمت تقنية "المناظير الدقيقة Microscopes"، لوصل الشرايين والأوتار والأعصاب بإصبعي القدم، اللتين وضعتا تقريبا مكان الخنصر والبنصر. بعد ثلاثة أسابيع من الجراحة كان "فرانسيسكو" قادراً على تحريك أصابعه قليلاً، وقد كانت تلك مجرد البداية، إذ تطلب الأمر مزيجا صعبا من تدريب الجسم والعقل واليد على هذا التحدي غير الطبيعي، وخضع "فرانسيسكو" طويلاً لورش تدريب وعلاج طبيعي، بعضها كانت غير ناجحة، وبعضها مؤلم جد، لكنه استطاع خلال ستة أسابيع فقط من إمساك القلم، وفك الأزرار، حتى تمكن من كتابة اسمه بيده اليمنى، ثم تطور الأمر نحو تقطيع الخضروات والفواكة، لكنه خلال تلك الأسابيع الشاقة كان مؤمنا أن يده قادرة على التكيف مع الأصابع الجديدة، غير أن ذلك يتطلب صبرا عميقا، وروحا معنوية عالية لا تتوقف. بعد عدة أشهر، عاد "فرانسيكو" إلى مستشفاه في مدينة "مكسيكو سيتي"، وبدأ يزاول ما كان متاحا له من مهنة الطب، وكانت البداية كما لو كان ممرضا، حيث عمل على تنظيف وتضميد الجروح، ثم خياطة الجروح السطحية، ولكن يوما ما وقد لاحظ أحد زملائه الأطباء إصراره وعزيمته، فدعاه للمشاركة في إحدى العمليات الجراحية، واعتقد "فرانسيسكو" أن دوره في العملية لن يتجاوز التضميد والخياطة الخارجية، لكن ما إن بدأ الجراح عمليته، حتى نظر إلى صاحبه "فرانسيسكو" وقال له: "أكمل أنت النصف الثاني من العلمية الجراحية"! ورغم المفاجأة إلا أن صاحبنا لم يفوتها، وعمل جاهدا لمدة ساعة لإنهاء المطلوب، رغم أن الوقت الطبيعي لهذه العلمية لا يتجاوز دقائق معدودة، إلا أن تلك الساعة كانت طريقه نحو العودة لممارسة "جراحة التجميل التعويضية"، بعد شهور طويلة من التدريب الشاق، وها هو اليوم "فرانسيسكو" يمارس مهنته بكل اقتدار في مدينة تيوانا Tijuana المكسيكية، ولا يخجل أبدا من أن يطلق عليه أصدقاؤه: "الطبيب الذي يجري العمليات الجراحية بقدمه"!.
يختزن الإنسان في داخله قدرة عجيبة على تجاوز الصعاب، وعلى الوصول إلى الأهداف، مهما كانت بعيدة ومجنونة، ذلك أن التخطيط والإيمان بما تريد، ثم العمل بجد والتزام، سوف يصل بك إلى شاطئ النجاح مهما طالت المدة، وها هو "فرانسيكو" وقد أصبح استشاريا وجراحا شهيرا لعمليات التجميل، بعد أن كادت مأساة عارضة أن تغير مجرى حياته، فقط لو أنه استسلم ورضي بالهزيمة، لكن يبدو أن قاموسه كان خاليا من تلكم الكلمة، لذا عاد من جديد، واستطاع تحقيق حلم حياته وبأصابع قدمه!.