تمت المراسلات بسرية، وتم اتخاذ القرار بسرية أشد. وبدأ العمل بسرية مطبقة تحت ثلاثة شعارات في مكانين للإنتاج؛ هما آلاموجوردو وتينيسي؛ ما سمعت هنا دعه هنا. وما رأيته هنا دعه هنا. وما يجري هنا دعه هنا ولا تكلم به أحدا مذكرين بحكمة القرود الثلاث؛ يدان على الفم. يدان على العيون. يدان على الأذنين.

ولكن ما هو هذا السر الفظيع الذي يجب التكتم عليه إلى هذه الدرجة في مكان يعمل فيه آلاف الرجال والنساء؟

إنه مشروع مانهاتن الجبار الذي يعد المشروع الأعظم للتسلح في تاريخ الإنسان، من أجل صناعة سلاح، لم يحلم به زيوس رب آلهة الأولمب، ولم يملكه شمشون وهرقل، ولم يكن لقارون وهامان وفراعنة الأسرة الرابعة وميداس أن يموّلوا مثل هذا المشروع الطموح.

طاقة من الكهرباء تكفي لتغذية مدينة متوسطة الحجم، ومن الذهب مليارين من الدولارات، ومن العمل والأدمغة والتجارب والتقنيات والمهارات والخطط والخيارات في الإبحار إلى المجهول.

يقول انريكو فيرمي الإيطالي الفارّ من الفاشية الإيطالية: لقد أبحر كولمبس بسفنه إلى شاطئ يتصوره أما نحن فكنا نبحر في المجهول.

ولكن ما هو هذا المشروع تحديدا؟ الذي أخذ اسم مشروع مانهاتن؟

إنه مشروع صناعة السلاح الذري!!

بدأت القصة من رجل هنغاري اسمه هنري سيلارد الذي نقل إلى آينشتاين الهارب من النازية إلى أمريكا خبر الانشطار النووي؟

ولكن ما علاقة هذا بالمشروع؟ وما مدى خطورته؟ وما هو الجديد في الانشطار النووي؟

هذه الأفكار الثلاثة هي التي غيّرت العالم الذي نعيش فيه ونقلته إلى العصر الذري بعد عصر المفرقعات والبارود والمدافع؟

أولا فتح الباب لمفهوم جديد في تركيب العالم والمادة؟ فقد انشطرت أخيرا الذرة وكانت الأفكار كلها تقول بأن الذرة لا تتجزأ.. فتجزأت.. وانفتح الباب إلى بوابة علي بابا والأربعين حرامي.. ودخلنا الدهليز الجديد في عالم الذرة في ثغرة واسعة سوداء مثل فوهات المغارات السحرية؟

والثاني إن الانشطار يولد طاقة خرافية لم يحلم بها أحد من قبل، وهي طاقة يمكن حسابها من معادلة آينشتاين في العلاقة بين المادة والطاقة، فتشابك عالم الطاقة والمادة ولم يعودا عالمين بل واحد بوجهين؛ طاقة ومادة. يمكن فيه أن تتحول المادة إلى طاقة وبالعكس..

والثالث هو أن هذه التقنية أصبحت في متناول اليد ولم تعد مجرد معادلات نظرية باردة على الورق..

ولأن جو العالم كان جو حرب عالمية، ولأن النازية التهمت أوروبا وبدأت تعد العدة في عملية فرس النهر لابتلاع بريطانيا، وباتت الجيوش النازية على أبواب موسكو وستالينغراد ولينينغراد الحواضر الروسية الكبرى.

تمت إثارة مخاوف الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت وكان ذلك برسالة من آينشتاين يفتح عيون القيادة الأمريكية على مدى الخطورة الهائلة لو تمكنت ألمانيا النازية من امتلاك هذا السلاح السري..

إن قنبلة بسيطة تزن كيلوغرامات بسيطة بإمكانها أن تمسح مدينة عامرة فيها مئات الآلاف من الأنام؟

وبذلك انفلت العقال وبدأت ديناصورات القوة في امتلاك أسلحة الدمار الكوني.. فبأي آلاء ربكما تكذبان.. يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران..