..وبالكاد أفرغ صباح أمس من تراتيل القهوة الصباحية وأنا أعيد قراءة مقالي عن غياب ثقافة القانون، حتى فاجأني الجوال برسالة تدعوني فيها إحدى إداراتنا المهمة إلى (محاضرة توعوية عن الفساد في قطاع الأعمال)، كما هي الرسالة بالحرف. نحن نحتاج مع الخطاب الوعظي إلى (قليل من القطران) كما ورد في القصة الشهيرة من تراثنا العريق. وأرجو ألا يقرأني هواة التأويل وقراء النوايا أنني ضد الوعظ والتوعية. نحن أيضاً ضحايا غياب القانون. كل قطاع المال والأعمال والإدارة والتربية، وكل جهازنا الرسمي والخاص، وكل المجتمع مثلي قرؤوا حديث المصطفى (من غشنا فليس منا)، وهذه الكلمات الأربع كافية، لأنها من جوامع الكلم.
نحن معها نريد جوامع القانون. عقود طويلة ونحن نجرب الخطاب الوعظي والتوعوي، وحده، فما الذي حدث؟ وإلى أين قادنا هذا الخطاب في الاستقامة الاجتماعية بغياب القانون؟ نحن الرقم العالمي الأول في ضحايا المرور، لأن 70% من سياراتنا في الشوارع لا تدفع الثمن القانوني لغياب التأمين والتبعيات المترتبة على مخالفته. نحن رابع دول الدنيا في نسبة الطلاق، لأن المطلقة في مجتمعنا هي الوحيدة على هذه الأرض التي تخرج من دائرة الزواج بلا قانون. نحن ثلث العالم بأسره في استهلاك حبوب الكبتاجون، لأننا اكتفينا في محاربته بالخطاب الوعظي: مروج المخدرات ومدمنها يعود إلى شوارعنا" بحفظ أجزاء من هذا القرآن المقدس الطاهر الكريم. وبقي لي من النسب في القضايا ما لا أستطيع أن أكتبه حياء وخجلاً، على طريقة (ليس كل ما يعلم يقال).
سأكتب لكم أخيراً أن الإحصاء الرسمي، ومن موقع الوزارة المتخصصة، يقول إن العام المنقرض وحده قد شهد 17 مليون نشاط وعظي، ما بين المحاضرة والمطوية والنشرة واللوحة والبرنامج التلفزيوني والندوة وورشة العمل والكتاب.. والبحث في هذا الرقم الهائل يبرهن، وبالإحصاء، أن المواطن السعودي البالغ (المسؤول) قد استقبل، وحده، ما يقرب من ثلاثة أنشطة وعظية وتوعوية، وهو رقم استثنائي على المستوى الكوني، فما النتيجة؟ النتيجة هو ما تعرفونه بالضبط ولا داعي لأن أكتبه. نحن في رقم متأخر من قائمة الشفافية العالمية، وفي رقم متقدم من دائرة الفساد. نحن مع هذه الملايين من رسائل الوعظ والتوعية نحتاج إلى مجرد عشرات بسيطة من القوانين الصارمة إلى جوار ملايين خطابات الوعظ والإرشاد والتوعية.