اهتمام الأمم بالفنون تاريخيا ورموزا ومنتجا هو ما يهبها هويتها، ويجذب إليها عشاق الجمال من كل الجهات، وهو ما نحتاجه لنصبح مقصدا، وليحتفي بنا التاريخ الحضاري للإنسان، وذلك ما لاحظته خلال رحلة وراء الفن في عواصم الجمال، ملأنا خلالها رئتينا من عبق التاريخ، ورفهنا حواسنا بإبداعات أهم المواهب التي أنجبتها الإنسانية، كمايكل أنجلو ورافائيل وليوناردة دي فنشي، ليس لي أن أزعجكم بتفاصيل رحلة خاصة كان مقصدها هو ملاحقة الفن، ولكن من حقكم علي أن أشارككم ثمارها، ومن أهمها احتفاء الأمم بفنونها، وحرصها على إبراز تاريخها وإظهار فرحتها بفنانيها، ومعاملة حجارتها معاملة قطع المجوهرات، رأينا كيف تقف المباني القديمة شامخة بكل فخر في روما ومدريد ولشبونة والبندقية لا تدانيها ناطحات سحاب، ولا يعفي جديدها قديمها، قد نقشت على جدرانها أسماء مهندسيها، كأنها لوحة فنية، وهي كذلك، أذهلنا المسرح الروماني "الكوليسيوم" في وسط روما وهو يتحدى بجدرانه العتيقة ألفي عام، دخلنا البيت الذي ولد فيه الرسام الإسباني بابوا بيكاسو في "ملقا"، وقد تحول إلى متحف، وأصبح الحي كله يحمل اسمه، والمحلات التجارية تبيع تذكاراته، واعتمد اقتصاد مئات البيوت على اسمه.
أعجبنا اهتمام الإسبان بالحقبة العربية باعتبارها جزءا من تاريخ بلادهم، وتحدثت إلينا مجسمات ناطقة لابن رشد وابن عربي، يحكي كل منهما فلسفته، ونظرته إلى الحياة، التقينا في مسجد قرطبة بعبدالرحمن الداخل، وصافحنا في منمنماته يد الإبداع العربي الأندلسي، هذه الرحلة لم تشبع نهمنا إلى الفن والجمال، ولكنها أرتنا كيف تحتفي الأمم بتاريخها وفنونها وفنانيها، وكيف تكسب المليارات بإحياء "عظام" أمواتها.