برنامج السعودة ليس اختراعاً جديداً، فحقيقة الأمر أن عملية توطين الوظائف في المملكة (السعودة) بدأت منذ سبعينات القرن الماضي مع طفرة النفط وظهور الحاجة لتمكين المواطن السعودي من أخذ مقاليد الأمور في إدارة الدولة، على أن البرنامج لم يتم تفعيله بالصورة المطلوبة لعدة أسباب على رأسها الطفرة القادرة على استيعاب السعوديين في الاقتصاد وكذلك نسبة السكان المنخفضة في ذلك الحين، لم تشكل البطالة على مدى تلك الفترة أي مشكلة حقيقية للدولة حتى سنوات التسعينات حين بدأت نسبة البطالة بالازدياد اطرادياً لتصل اليوم إلى نسبة 8.2% وحتى 15% على حسب الدراسات المختلفة، ولتبلغ نسبة البطالة بين الشباب إلى حوالي 32% وكل هذا ضمن واقع يشير إلى أن أكثر من 50% من الشعب السعودي تحت سن 15 سنة (الأرقام بحسب دراسة روبرت لووني بتاريخ 2004). من جهة أخرى بدأت انعكاسات البطالة في الظهور اجتماعياً حيث ارتفعت – على سبيل المثال – نسبة الجرائم من قبل العاطلين السعوديين حوالي 320% بين عامي 1990 و1996 مع زيادة نسبة 136% حتى عام 2005 (بحسب دراسة محمد أسد ومحمد البرعي بتاريخ 2009). تم إعادة إطلاق برنامج السعودة من خلال الخطة الخمسية السادسة (1995-2000) والتي نادت إلى استيعاب حوالي 650,000 سعودي في القوة العاملة واستبدال وظائف حوالي 319,000 أجنبي، أخذاً في الاعتبار أنه يبلغ عدد الأجانب العاملين في المملكة حوالي 6.2 ملايين وهم يمثلون 87% من مجموع القوة العاملة في المملكة (بحسب دراسة كامل ملاحي بتاريخ 2007) ولذلك قامت الدولة باتخاذ العديد من الخطوات لأجل بلوغ هدف السعودة منها:

- إصدار مرسوم وزاري في عام 1995 يقضي بأن تقوم الشركات السعودية التي يوجد لديها أكثر من 20 موظفاً بخفض نسبة الأجانب بحوالي 5% سنوياً ولاحقاً تم وضع نظام حصص السعودة (Quota) والتي تبلغ اليوم في المتوسط 30% للشركات.

- قيام الحكومة بحظر توظيف الأجانب وعملهم في ما يقارب 30 وظيفة ونوع عمل.

- إعلان المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أنها ستقوم بتدريب 300,000 شاب خلال 3 سنوات (في عام 2005).

- إنشاء صندوق المئوية ومبادرته لدعم خلق وظائف من خلال دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيث إنه في عام 2006 ساعد الصندوق في إنشاء 280 مشروعاً توقع لها أن تخلق 4000 وظيفة في الخمس سنوات اللاحقة.

- إنشاء صندوق الموارد البشرية وبرنامجه في دعم رواتب السعوديين كأحد الحوافز المقدمة لسعودة الشركات.

كل ما سبق يؤكد مدى الطموح الذي يسعى له برنامج السعودة في المملكة، وهو الطموح الذي توضحه الخطة الخمسية السابعة (2000-2005) والتي أُعلن أنها ستعمل على توظيف حوالي 817,300 سعودي – 446,600 من خلال السعودة و 328,700 من خلال خلق فرص عمل جديدة. في مقابل هذه التوقعات والخطط الطموحة تشير الأرقام إلى أنه على أرض الواقع حدث العكس تماماً، فالخطة الخمسية السادسة التي دعت إلى استبدال وظائف 319,000 أجنبي من خلال السعودة لم تتكمن من الإبقاء على هذا الرقم عوضاً عن خفضه فزادت نسبة العاملين الأجانب بمقدار 58,400 (بحسب دراسة روبرت لووني بتاريخ 2004).

إن هذه الحقيقة تعكس بشكل جلّي وجود خلل كبير في منظومة برنامج السعودة، فالنمو الاقتصادي خلق فرصاً للعمل ولكنها ليست فرصاً للسعوديين وربما يعد أبرز مثال هو الطفرة التي يشهدها قطاع البناء وهو القطاع الذي يعتمد بشكل رئيس على الأجانب سواء كعمال بناء مهرة أو كمهندسن واستشاريين متخصصين وخبراء.

إن حل سعودة الوظائف والتشدد في مسألة الحصص (الكوتا) الخاصة بالسعودة نابع من الحاجة للتعامل مع المشكلة بحلول سريعة، ولكن ما مدى نجاعة هذا الحل بالصيغة المطروحة اليوم؟ على سبيل المثال – تمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة حوالي 93% من مجموع الشركات في المملكة ولكنها تحتوي على 24.7% من مجموع العمالة فقط، هذه الشركات ورغم الحوافز المقدمة من صندوق الموارد البشرية لها لتوظيف سعوديين تجد نفسها غير قادرة على توفير تدريب حقيقي لهم، في المقابل فإن نسبة المؤهلين من خريجي الجامعات للحصول على وظائف فوراً تبلغ حوالي 2% فقط بينما تحتاج البقية لتعليم وتدريب يؤهلهم لتولي تلك الوظائف (بحسب دراسة لووني).

إن السعودة بميزان الخطط تكشف عن وجه طموح يستشرف المستقبل برغبات عريضة، ولكنها بميزان الأرقام في الواقع تكشف أنها لم تحقق بعد أدنى سقف لطموحها وليس ذلك عيباً من القائمين على تنفيذ برنامج السعودة قدر ما هو خلل بنيوي يبدأ من المدرسة وينتهي بحالة الشركات وبيئة العمل، والسؤال الأهم هو: بعد انتهاء الخطة الخمسية الثامنة ودخولنا في مرحلة الخطة التاسعة.. كم من الـ 817,300 وظيفة التي أعلنت الخطة الخمسية السابعة أنه سيتم سعودتها تم بالفعل سعودتها؟ وكم هي نسبة الزيادة في العمالة الأجنبية لنفس المدة؟