كثير من الآباء والأمهات لم يستوعبوا التحولات الكبيرة التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية، ولا يزالون يتعاملون مع أبنائهم وبناتهم وكأنما الحياة لا تزال "برتمها" السابق والمعتاد، بينما الحقيقة غير ذلك، لا يزال البعض يتعامل مع أبنائه وكأنهم "جمادات" يحركها كيفما يشاء ومتى شاء، دون أن يعي أنهم يحسون ويتفاعلون مع محيطهم.
طبعاً يعاكس هذا الأسلوب ما يحدث بشكل متطرف في المجتمعات الغربية، ومنها المجتمع الأميركي، فما إن يبلغ الابن أو الابنة الثامنة عشرة من العمر؛ حتى تنتهي سلطة والديه عليه، بل تتحول العلاقة من علاقة والد وابنه إلى علاقة ندية متطرفة، يصاحبها توق شديد للوقوع في المحظورات، وممارسة الممنوع، مما يجعل الكثير من الشباب الغربي يقع مباشرة في المخدرات والجنس وغير ذلك، مباشرة بعد خروجه من منزل أهله، بل البعض يقع فيها مبكراً، خصوصاً إن كان نتاج زواج فاشل، أو تحت رعاية أب سكير أو أم ضائعة، بينما – للأسف - تقود الرعاية المتطرفة في الجهة المقابلة إلى النتيجة نفسها أيضاً، حيث يصبح الشاب أو الفتاة تواقاً للمحظورات نتيجة الكبت المتواصل، وسوء التربية، وتطبيق نظام الحظر على كل شيء، بداية من الهاتف النقال، مروراً بالتلفزيون، وانتهاء بالحرمان من زيارة الأصدقاء! ليتحول محور علاقة الأب بابنه إلى الجملة الشهيرة: "يا ولد خلك عند "النعال"! وتلك مأساة أخرى من مآسي تعامل الأب مع أبنائه الذكور أمام الضيوف، حيث يمنع الطفل أو الشاب من المشاركة في النقاش، أو على الأقل إبداء وجهة نظره، ويصبح دوره فقط مجرد تقديم القهوة والشاي، وخدمة الضيوف، وفي النهاية الجلوس في طرف المجلس، بالقرب من الباب! وهل هناك أسلوب أسوأ من هذا التعامل الجاف، والخالي من العاطفة الأبوية، والبعد التربوي؟ فلقد ضيع على ابنه فرصة تجاذب الحديث مع أشخاص آخرين، وضيع عليه فرصة توسيع مداركه بالنقاش والتفكير، ليحوله إلى مجرد خادم فقط، دون تقدير واهتمام بحالته النفسية، وحتى مستواه العلمي الذي قد يفوق والده وضيوفه في أحيان كثيرة.
لقد لخص المثل الشعبي: "إذا كبر ابنك خاويه" جوهر العلاقة المفترضة بين طرفي العلاقة، ولكن طبعاً النظرية شيء والتطبيق شيء آخر تماماً، فالعلاقة الأخوية بين الابن ووالده لا تبدأ بمجرد بلوغ الابن أو حتى دخوله تباشير مرحلة المراهقة، بل هي تبدأ من سنوات الطفل الأولى، حينما يجد الطفل والده أمامه دوماً، مستعداً له، مقبلاً عليه، مشاركاً له أفراحه، مسانداً له في أتراحه، هنا سوف يفتح الابن قلبه وروحه لوالديه، ويصبح كالكتاب المفتوح تسهل قراءته، وتقليب صفحاته، وبالتالي معرفة مستقبله.
كما أن التدرج في تعميق العلاقة يساعد على قوة متانتها في المستقبل واستمرارها، وليس مجرد وجودها في حدها الأدنى، أو كما يفهم البعض أن العلاقة مجرد توفير الأكل والمسكن والملبس فقط، دونما الأهم وهي التربية، ودائماً ما أستشهد بعلاقة أحد الأصدقاء بأبنائه الثلاثة رغم أن أكبرهم لم يتجاوز الصف الثالث المتوسط وأصغرهم في الصف الرابع الابتدائي، حيث تجدهم وكأنما هم أصدقاء عُمر، فأحاديثهم صادقة وتعاملهم حقيقي، والثقة تملأ الأجواء بينهم، بل تجدهم يحرصون على قضاء وقت فراغهم مع والدهم بشكل يثير الاستغراب، على عكس أترابهم من المراهقين، وكم من مرة تعجبنا من خروجهم خارج المدينة وحدهم مع والدهم فقط، وقضاء أمسية نهاية الأسبوع هناك، وليس كما يفعل الجميع بالخروج مع الأصدقاء أو العائلة كاملة. لقد استطاع صديقنا امتلاك شغاف قلوب أبنائه، وبناء جسر ثقة متبادلة، ليس فقط بصدق المعاملة، ولكن باحترام ذواتهم، والتعامل معهم كرجال راشدين، لهم كل الحقوق، وعليهم كل المسؤوليات، الأمر الذي أثمر عن رجالٍ واثقين من أنفسهم، متوازنين نفسياً، ذوي برٍ حقيقي لوالديهما.
إنه لمن المحزن أن ترى علاقة بعض الشباب بأصدقائهم أقوى وأشد من علاقتهم بوالديهم، أو حتى إخوتهم الكبار، طبعاً هذا نتاج تعامل طويل، خلال سنوات متتالية كما تقدم، لذا فإن الحل لا يأتي بين يوم وليلة، ولا تتوقع أن يفتح لك ابنك أبواب قلبه ومداخل روحه هكذا وخلال لحظات، وبمجرد حديث عابر، لذا فإن الخطوة الأولى تكون بالتعامل المتوازن مع ابنك أو ابنتك، دون تفريط أو إفراط، ومحاولة تفهم احتياجاتهم، والعمل على قضاء وقت ممتع معهم، يكسر حد الروتين، ويقرب القلوب بعضها البعض. ولعل إحدى الوسائل الناجحة دائماً هي مشاركتهم في ألعابهم البدنية وحتى الإلكترونية.. صحيح أنهم قد يتفوقون على والدهم وبكل سهولة، ولكنهم حتما سوف يقتربون بسرعة إلى قلب شخص يحبهم حباً كبيراً.
بناء الثقة يحتاج إلى سنوات طويلة من الصدق والحلم والأناة، وهدمها سريعٌ جداً، لا يحتاج إلا إلى تعاملٍ فج، وخلال ثوانٍ معدودة قد تفقد من تحب إلى الأبد.. فهل عملنا برغبة حقيقية على كسب قلوب أبنائنا أم ماذا؟ سؤال أبعث به إلى كل والد ووالدة، أو كما يجب أن أقول: إلى كل مرب ومربية.