مر أسبوع على انفجار ناقلة الغاز في مدينة الرياض، وما صاحبها من مشاهدات وملاحظات وتحليلات وتوصيات غصت بها صفحات الصحف ووسائل الإعلام المختلفة. الحقيقة أنها كلها لا تعني شيئا ولن تغير شيئا، لأن ضعف التعامل مع الحوادث هو نتاج تراكمات وتفاعلات معقدة من ضعف خدمات وهشاشة تعليم وثقافة مجتمعية تتغذى على الشائعات وحب الاستطلاع و"الفزعة" حتى وإن كانت قاتلة.

بإمكاننا شن حملات توعوية للسلامة وإجراء العديد من المقابلات مع المختصين في أفضل الطرق والوسائل لنشر ثقافة السلامة وتغيير العادات المجتمعية ونشر البحوث وأوراق العمل في أروقة الموتمرات العالمية عن استراتيجيات السلامة الوطنية والإقليمية، ومع ذلك فإن هذا لن يغير الكثير ما عدا أرصدة شركات الدعاية والإعلان وسماسرتها، ولن يضيف الكثير سوى نقاط بحث علمي لأصحابها تسمح لهم بصعود السلم الأكاديمي فقط ليعاودوا الظهور على شاشات التلفاز وصفحات الصحف كمختصين في دائرة مفرغة لطالما ابتلعت من الأرواح والممتلكات ما لا يعد ولا يحصى.

الاستثمار في السلامة والتوعية بها مجتمعيا هو استثمار فاشل وفرص نجاحه ضعيفة جدا ما لم يتم ردفه بقوانين صارمة التطبيق على الجميع، أما ما عدا ذلك فهو هدر للمال العام وللوقت والجهد. هذا التصور هو نتاج حالات عديدة من الحرائق وحوادث السيارات والغرق والاختناقات وغيرها، فالسلوكيات المجتمعية هي ذاتها مما يدعم عدم الاستثمار بها واختزالها بقوانين وعقوبات لصعوبة تغيير ثقافة المجتمع الحالية من تجمهر وانعدام وسائل ومهارات السلامة الفردية والعائلية.

لا يمكننا إلقاء اللوم كاملا على الثقافة المجتمعية الركيكة في كل ما يختص بالسلامة، حيث إن هؤلاء المتجمهرين كانوا في يوم من الأيام على مقاعد تعليم عام أبدع في شرح كيمياء الحرائق وفيزيائية الماء وأخفق في تزويدهم بالمهارات اللازمة لإنقاذ أنفسهم منها. كانوا في يوم من الأيام على مقاعد تعليم عام تتزين فصوله بأسلاك كهربائية مكشوفة وجدرانه بتسريبات صرف صحي ومع ذلك لم يتم استخدامها كوسائل تعليمية بمخاطر للسلامة. هؤلاء كانوا في يوم من الأيام يحفظون روائع الشعر والأدب ولم يعلموا بوجود "أرقام" للطوارىء سوى ما تطالعهم به القناة الثانية من 911 لقارة أخرى.

أما وقد فاتهم قطار التوعية السلامة فالحل الناجع هو التحكم بما يحملونه من ثقافة وتراكمات بقوانين وعقوبات وتوجيه الموارد والمصادر والاستثمار بأطفالنا كأمل وحيد لإنقاذنا. حان الوقت لإيقاف الخسائر التوعوية وتوجيهها للتعليم العام، حيث سيفرح بهذا المقترح مسؤولو التعليم العام ويبدؤون برسم المناقصات والمنافسات وتعيين المعلمات والمعلمين كمشرفي سلامة مختصين باللوحات الجدارية على خطى مشرفي الصحة المدرسية.

ولقتل هذا الفرح فإن السلامة بحاجة لمقرر كحاجة الصحة لمقرر وكحاجة الحوار لمقرر، وكلها مقترحات تم رميها في سلة مهملات البريد الإلكتروني لتطوير التعليم، حيث مللنا من الرسالة المعلبة التي تقوم بشكرنا على مقترحنا فقط لنجد أن المناهج تم تغيير ألوانها وأوراقها وأحجامها كشاهد على تطور صناعة الورق المحلية.

نحن بحاجة لمقررات سلامة من المرحلة الابتدائية للثانوية، وبحاجة لمحتوى يزرع المفاهيم وينقشها في العقول حتى نستطيع حصادها مستقبلا على هيئة مجتمع واع لا يحتاج لمكبر من رجل دفاع مدني ليفرق حشدا من المتجمهرين، ومجتمع يستطيع أفراده إنقاذ أبنائهم من الغرق في مسبحهم ذي السياج العالي، ومجتمع يملك القدرة على التخطيط لسلامة منزله وعائلته كما يخطط للسفر في أقرب إجازة. مقررات السلامة هي ضرورة وليست رفاهية، والأكيد أنها أهم من العديد من المناهج الحالية ومحتوياتها التي لا تساهم في صنع مواطن فاعل، بل تقوم بإنتاج أراشيف متحركة لمناهج التعليم العام.

التعليم العام بحاجة لدماء جديدة وعقول خلابة وخبرات حديثة تستطيع التواصل مع الاحتياجات قريبة وبعيدة المدى وتسهم في تغيير الثقافات المجتمعية السيئة وتسد ثغور مهارات المواطنة الحقة، ولعلنا نشهد قريبا استجابة من التعليم العام، ولعل النبض الأول يحمل مقررات السلامة.