تقدم صاحب مؤسسة ببلاغ إلى المباحث الإدارية يتضمن أن موظفا بالبلدية أخذ منه مالاً مقابل أن يسهل وينجز له بعض المعاملات الخاصة به مستشهدا بأحد العاملين معه في مؤسسته. المباحث الإدارية اتصلت بالموظف وطلبت حضوره فحضر فقامت بتوقيفه لديها وأرسلت بأوراق القضية لهيئة الرقابة والتحقيق. الهيئة رفعت قضية رشوة ضد موظف البلدية. حكم ديوان المظالم بعدم ثبوت إدانة الموظف لعدم كفاية الأدلة، وعاد الموظف إلى عمله بعد تمييز الحكم وبعد أن قضى في التوقيف ثلاثة أشهر.

صاحب المؤسسة الذي قام بالبلاغ لم يذكر في بلاغه أنه قام برشوة الموظف لكن مضمون بلاغه هو أنه دفع مالا لموظف حكومي مقابل منفعة معينة، أي رشوة. تمت إحالة القضية للرقابة والتحقيق وليس فيها من طرفيْ الرشوة إلا طرف واحد هو المرتشي، ورفعت الهيئة قضية رشوة ضد الموظف، وهي لا تملك من الأدلة إلا بلاغ صاحب المؤسسة وشهادة عامله.

صاحب المؤسسة أبلغ المباحث الإدارية بأن الموظف أخذ منه المال قبل شهور، وحين لم ينجز الموظف المعاملات قام هو بإبلاغ المباحث الإدارية، أي أنه حين قدم المال للموظف لم يكن ذلك بالترتيب مع أي جهة أمنية للقبض على الموظف متلبسا بالرشوة.

في مثل هذه القضايا الخاسرة إضرار بالمتهم وعمله وسمعته، ويترتب عليها دفع تعويضات من الخزينة العامة وإشغال الدوائر الحكومية وموظفيها بقضية ما كان لها أن تكون لولا استسهال الأمور الخطيرة. ولو كنت مسؤولا لكلفت المتسبب في كل تلك الخسارات بدفع التعويض من ميزانية جهازه أو من جيبه.

كيف تم اعتبار القضية رشوة وهي مجرد شكوى بلا دليل وبلا ترتيب مع المباحث الإدارية ساعة الدفع؟

قضية الرشوة ليست سهلة، ولهذا يضع النظام لها معايير دقيقة، فهل مجرد بلاغ يكفي لتوجيه اتهام بالرشوة لموظف؟ وما دام قد تم اعتبارها رشوة فلماذا لم يُقبض على الراشي ومحاكمته هو أيضا؟

نقول عن بعض أصدقائنا الخفيفين إنه "مع الأول" أي يفزع لمن يشتكي إليه أولاً ويصدقه دون اعتبار لسماع الطرف الثاني.

بعض الأمـور لا تصلح فيها الفزعة!