فيما كان العالم يستعد لأكبر حدث سياسي، الانتخابات السياسية الأميركية، كان الصراع الداخلي في إيران هو الشيء الوحيد الذي يشغل السياسيين في البلد.
الصراع بين الحكومة من جهة والسلطة القضائية والبرلمان من جهة أخرى أدخل آية الله خامنئي إلى هذا الصراع أيضا. الأخوان لا ريجاني اللذان يديران أقوى مؤسستين في البلد ربما يستعدان لأكبر قفزة قد توصلهما إلى القصر الرئاسي. بقي حوالي خمسة أشهر ليقوم المرشحون الرئاسيون بتسجيل أنفسهم في الانتخابات الإيرانية التي ستكون معركة كبيرة ومواجهة بين طرفين مختلفين من التيار المحافظ.
كلا الطرفين أعلنا عن ولائهما للمرشد الأعلى، واتهم كل طرف الآخر بانتهاك القانون وسوء الإدارة. في رسالة مفتوحة، طلب خامنئي من جميع السياسيين والقياديين في إيران أن يحافظوا على الهدوء وعدم زيادة التوتر في المجتمع أو الكشف عن خلافاتهم بشكل علني في مثل هذا الوقت الحساس، ودعاهم إلى الصبر إلى حين الانتخابات.
الغريب أن المرشد الأعلى طلب من القادة السياسيين التحلي بالصبر إلى حين الانتخابات الرئاسية، وكأنهم يطلب منهم التسامح. البعض فسروا رسالته كتعبير صريح عن عدم رضاه عن الرئيس أحمدي نجاد، والبعض فسرها على أنها خطاب للأخوين لاريجاني لعدم إلحاق المزيد من الأذى سعيا وراء الشهرة.
خامنئي طلب من المتنافسين الصبر والصمت، وفي المقابل قال الأخوان لاريجاني إنهما سيكونان مرنين إلى أقصى حد ويطيعان رغبات المرشد الأعلى، وشكراه على إرشاداته المفيدة دائما.
استغرق الأمر وقتا أطول قليلا قبل أن يكتب أحمدي نجاد جوابا لرسالة المرشد الأعلى. في رسالته إلى خامنئي، أشار أحمدي نجاد إلى واجباته كرئيس للدولة لتطبيق الدستور بشكل كامل، وأضاف أنه متأكد أن خامنئي أيضا لا يوافق على التهديدات التي تحد من صلاحياته كرئيس.
بدأ الصراع عندما أشار أحمدي نجاد إلى أنه سيزور سجن إيفين سيئ السمعة في طهران. رئيس القضاء، آية الله لاريجاني، لم يسمح للرئيس بالقيام بذلك، وهدد الرئيس بأنه سيقوم بالزيارة حتى ولو بالقوة، لأنه لا يحتاج إلى تصريح للزيارة، بحسب الدستور الإيراني. بعد ذلك تحول الأمر إلى رئيس البرلمان، علي لاريجاني، ليمارس ضغوطا على الرئيس وتهديده باستدعائه إلى البرلمان لمساءلته حول انخفاض قيمة العملة الإيرانية أمام الدولار الأميركي وحول التضخم.
وفي الوقت نفسه، اتهم كل جانب الآخر بافتعال الضجة واستغلالها كدعاية انتخابية قبل الانتخابات. نحن نعرف أن أحمدي نجاد لا يحق له ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثالثة، فما هو السبب الذي يجعله يريد أن يروج لنفسه ويواجه المرشد الأعلى وآخرين في نهاية فترته الرئاسية الثانية؟ الأخوان لاريجاني ربما يحتاجان للدعاية، لأن هناك تقارير بأن علي لاريجاني ربما يخطط لترشيح نفسه للرئاسة، ولكن ما مصلحة أحمدي نجاد في الدعاية؟
ومن ناحية أخرى أيضا، لم تفلح محاولات أحمدي نجاد في إبعاد نفسه عن التيار المتشدد والتصرف كإصلاحي مخلص في إقناع الإصلاحيين داخل إيران وخارجها. فهم يشككون بأحمدي نجاد ويقولون إنه يقوم بالقليل فقط وبعد أن يفوت الأوان. لكن أن يقوم بشيء قليل حتى ولو متأخرا أفضل من أن لا يفعل شيئا مطلقا، خاصة مع اقتراب فترة الانتخابات، إذ إن أحمدي نجاد يريد أن يؤيد أحد المرشحين ويحتاج لتعزيز جهوده. المرشح الذي سيؤيده أحمدي نجاد قد يسبب الكثير من الرعب للأخوين لاريجاني.
كل ما نسمعه حول الانتخابات والمرشحين ليس أكثر من إشاعات حتى الآن. في إيران، لا يكشف المرشحون الرئاسيون عن أسمائهم في وقت مبكر لتقليل الأضرار التي يمكن أن يحدثها ذلك عليهم.
ولكن في إيران اليوم ليس لدينا أحزاب حقيقية تستطيع أن تحشد الناس مثلما يحدث في دول أخرى مثل فرنسا وأميركا وبريطانيا والدول الديموقراطية الأخرى. مساهمة الحزب في الانتخابات وفي تشكيل الحكومة هي أولى عناصر الضمان بأن الحكومة الجديدة تستطيع أن تعمل بشكل منظم في فترة ما بعد الانتخابات. في إيران ليس لدينا أحزاب حقيقية حاليا.
ما جعل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد متميزا عن الآخرين وساعده على الفوز مرتين في الانتخابات الرئاسية ليس كونه محظوظا أو أنه كان يتمتع بتأييد ودعم المرشد الأعلى للثورة آية الله علي خامنئي، لكن أحمدي نجاد يتمتع بتأييد المؤسسة الدينية القوية الوحيدة التي تتمتع بالتنظيم، وهي لذلك تستطيع أن تعمل وكأنها حزب سياسي بسبب الشبكة القوية والمتشعبة والواسعة. هذه المؤسسة الدينية اسمها "حجتيه".
علينا ألا نقلل من أهمية السلطة والقوة التي تتمتع بها هذه المؤسسة الدينية، والتي يمكن اعتبارها وكأنها "حزب سري" في إيران. هذه المؤسسة هي الوحيدة التي كانت تقلق آية الله خميني وحذر مساعديه أكثر من مرة لكي يراقبوا التهديد الذي تشكله "حجتيه"، وخاصة في محاولات اختراقها للنظام. أحمدي نجاج لم يدع يوما أنه عضو في "حجتيه"، لكن علاقته الجيدة مع زعيم هذه الجماعة لم تكن خفية على أحد، وخاصة على أعين الأخوان لاريجاني.