يقول ميت رومني المنافس لأوباما ليلة الانتخابات: "أنهيت كتابة خطاب الانتصار، وهو يقع في نحو 1118 كلمة، وأنا متأكد من أنه سوف يتغير لكوني لم أعرضه على عائلتي وأصدقائي والمستشارين" وبهذه الثقة والغرور كان يتحدث رومني!.

الحقيقة أن فوز أوباما كان متوقعا، نظرا لقدراته الشخصية في الخطابة والإقناع وقيادة الجماهير، إلا أن العبء الاقتصادي الذي ورثه من بوش كان ثقيلا، مما كاد أن يفقده فوزه. وبالمناسبة، فأوباما من خريجي جامعة هارفارد العريقة بتخصص القانون، وأصبح بعدها محاميا للحقوق المدنية، ثم درّس القانون الدستوري في جامعة شيكاغو إلى عام 2004، هذا الرجل الأسود الذي دخل التاريخ بوصوله إلى رئاسة أعظم دولة في العالم، تلك الدولة التي كان السود فيها يعانون أشد المعاناة جراء العنصرية!

من الأشياء التي ساعدت أوباما في فوزه الأول والثاني، أنه حاول ألا يتوغل في الجدل مع خصومه، بل كان خطابه غالبا وحْدويّا، وهذه الشخصية هي السبب في بروزه منذ مؤتمر الديموقراطيين في بوسطن عام 2004، عندما حاول أن يشكل جبهة توافقية آنذاك، ثم طبقها مع خصمه هيلاري كلنتون التي انتقدته انتقادات لاذعة أثناء تنافسها معه على المقعد الديموقراطي، إلا أنه بعدها رشحها وزيرة لخارجيته! كذا في بداية ولايته عندما أبقى بعض فريق سلفه ومنهم وزير الدفاع رعاية منه للمصلحة الوطنية، فلم يحاول أوباما أن ينتقم أو حتى يستبعد خصومه، بل وضع يده بيدهم مما أكسبه أصواتا كثيرة، ولولا قدرات هذا الرجل الأسود وتفوّقه لما وصل ولا استمر!.

ولكن، وبعد أن حقق فوزه في الدورة الثانية، ماذا عن سياسة أميركا تجاهنا وتجاه قضايانا التي تهمنا؟ هل سيكون لأميركا دور فعّال وإيجابي تجاه قضيتنا المحورية فلسطين؟.

من المعلوم أن سياسات الدول الديموقراطية لا يملك تغييرَها شخصٌ، وإنما تيارات ضخمة لا يمكن لشخص أو أشخاص أن يخرجوا عن المسار العام للدولة، ولذلك فإن أميركا ستستمر في سياستها الإستراتيجية بدعم إسرائيل وتفوّقها العسكري في المنطقة. ولن ننتظر يوما من أميركا أن تنقذنا من إسرائيل في الوقت الذي نحن فيه غارقون في مشاكلنا وقضايا الفساد والفوضى في بلداننا وللأسف!. وكل ما يخشاه المراقبون في هذه المرحلة المضطربة في الساحة العربية، أن يتطور نزاع عسكري قد تكون إسرائيل جزءا منه، مما قد يكون سببا في جلب المزيد من الكوارث على المنطقة التي لم تعد تحتمل أكثر مما هي تعاني منه أصلا.

ولكن على الصعيد العام، فإن أوباما على الأقل سيترك مساحة لا بأس بها خاصة لدول الربيع العربي، كي تتنفس وتأخذ شيئا من حريتها في تشكيل بنيتها وهيكلتها، دون تدخل أهوج كما هي عادة الجمهوريين في تاريخهم. كما أن نهج أميركا نحو دعم المسار الإصلاحي والحقوقي ـ ولو شكلياً ـ سيستمر، مما سيُكسب دعاوى الإصلاح والتغيير مزيدا من الزخم في الأيام القادمة، وهذا قد يشجع دول الربيع وكذا الحركات الثورية أو الإصلاحية في المنطقة.

أما بخصوص قضية سورية المعقدة، فلا يُعتقد أن سياسة أميركا تجاهها ستختلف بتغيّر الرئيس كونها مصدر قلق بالنسبة لإسرائيل، إلا أن بعض المحللين يرون أن أوباما كان يخشى من التورّط في سورية قبل الانتخابات مما قد يفقده الفوز، فربما أن احتمال تدخل أميركا بشكل أكثر فعالية هناك وارد، ولكن لن يتجاوز زيادة الدعم للمعارضة السورية بأي حال من الأحوال، إلا في حال أصبح وجود تجمعات لقوى متشددة بارزا، مما قد يهدد أمن إسرائيل مستقبلا، عندها، فربما نرى تدخلا أكثر جُرأة في سبيل قطع الطريق على المتشددين من الوصول إلى الحكم، وأقول هذا وللأسف إن ما يهمّ أميركا هو مصالحها في المنطقة وأمن إسرائيل فقط.

أما ما يتعلق بإيران، فلا يعتقد الكثير من المراقبين أن تتغير سياسة أميركا تجاهها، طالما بقي الأمر كما هو عليه حاليا، إلا أنه قد تستمر أميركا في فرض العقوبات الاقتصادية على إيران، وبلا شك أنها ستسعى إلى نزع مخالب إيران المتمثلة في حزب الله وسورية، مما سيُفقد إيران الكثير من مصادر قوتها الإقليمية بلا شك. ولكن هذا يأتي في وقت تعاني أميركا والغرب فيه من مشاكل اقتصادية كبيرة، بينما يتمتع فيه المحور الآخر بانتعاش اقتصادي جيد والمتمثل في روسيا والصين حلفاء إيران، مما قد يكون له تأثير فيما يتعلق بتسليح إيران والاستمرار في دعمها، وربما يؤدي في النهاية إلى وصول إيران للقنبلة التي طالما حلموا لامتلاكها.

بين هذا وذاك، يتمنى الكثير أن تنجح الدول العربية في توجيه جهودها نحو الإصلاح، الأمر الذي لن يسمح لأي أجنبي أو مغرض أن يمدّ يده للإفساد أو تقويض الاستقرار، أدام الله علينا الأمن والأمان.