لا أحد منا ينكر دور المسرح المدرسي، لما فيه من وعي وتعليم وإرساء قيم يحتاج إليها المجتمع ونرسخها في تكوين أبنائنا. ومن الملاحظ أن هناك خلطا في المفهوم بين المسرح المدرسي ومسرح الطفل. والحقيقة أن المسرح المدرسي هو نوع من أنواع مسرح الطفل، والذي حظي باهتمام عالمي منذ القرن الثامن عشر في أوروبا، بينما يرى البعض أن إرهاصات مسرح الطفل تعود إلى القرن الخامس عشر، إذا ما اعتبرنا فن العرائس والدمى فنا مسرحيا، وفي آراء أخرى رد بعض النقاد والمنظرين هذا الفن إلى القرن الخامس قبل الميلاد لاكتشاف فن الدمى بزمن كبير في بلاد الهند والصين، وهنا تكمن الأهمية لما له من الريادة والسبق. ولمسرح الطفل مراحل عمرية يجب مراعاتها وهي (مرحلة الطفولة المبكرة من 3- 5 سنوات، والمرحلة من 5- 7 سنوات، ومن 7- 10 سنوات، ومن 10- 12 سنة، ومن 15- 18 سنة).. في هذه المراحل يقدم لكل مرحلة ما هو مناسبا لتكوينها وتفكيرها واستيعابها وأساليب الإمتاع لجذب الانتباه، ويقدم في أماكن متعددة سواء كان مسرحا مغلقا أو أماكن مفتوحة. وقد سبق مسرح الطفل لدينا المسرح التقليدي بعروض خيال الظل والأراجوز وغير ذلك من العروض، مما يجعل مسرح الطفل مسرحا رائدا في الوطن العربي.
أما المسرح المدرسي فيعرفه البعض بأنه "لون من ألوان النشاط الذي يؤديه الطلاب في مدارسهم تحت إشراف معلميهم داخل الفصل أو خارجه في صالة المسرح المدرسي وعلى خشبته.. أو خارج الصالة في حديقة المدرسة أو ساحتها. وإذا كان المسرح المدرسي يقترب كثيراً من المسرح باعتباره فناً من الفنون الأساسية التي عرفها الإنسان ومارسها منذ العهود القديمة، فإن المسرح المدرسي يحتفظ بفلسفة وأهداف خاصة تتناسب مع طبيعته ووظيفته الأساسية". يعرف أ. ف النجتون المسرحية المدرسية بقوله: إنها بطريقة ما "هي حصيلة عمل الطالب في الفن المسرحي بالمدرسة. وبطريقة أخرى، فالمسرحية المدرسية هي جزء من تقدمه الدراسي الذي سوف يستمر معه مدى حياته، أما بالنسبة للفن المسرحي، فهذا الفن سيؤدي به إلى الحصول على مهنة بالمسرح أو الاستمتاع بوجود مجتمع مسرحي للهواة أو الانضمام إلى عضوية الجمهور التي تتسم بالنقد والفطنة للمسرح الفعلي والسينما والراديو والتلفزيون".
ومن هنا اكتسب سمة من المدرسة التي هي - دون غيرها - المعنية بهذا النشاط وهذا الفن الذي له الأثر الكبير في تكوين الشخصية وبنيتها المستقبلية، كما أن المسرح المدرسي له سمات وفلسفة وفكر وتقنية، وهذا ما يجعله مختلفا عن مسرح الطفل الاحترافي. وهنا يكمن الفرق حيث إن المسرح المدرسي يعمل على تفتق ذهن الطالب ويساعد على عملية التحصيل المدرسي، وعلى بناء الشخصية، ففي حديث البياري عن أهمية المسرح المدرسي: "يسهم المسرح المدرسي في تنمية استعداد التلاميذ وتوجيههم الوجهة الاجتماعية السليمة بالمشاركة مع بقية الاختصاصات، وقد أدركت المدرسة الحديثة مسؤوليتها في تربية التلاميذ وتنشئتهم تنشئة جيدة وفعالة. ورأت أن خير طرق التعليم ما يقوم على التجربة، ذلك لأنها حقل التفكير الخلاق الخصب، وخير ما يعين على التكيف الاجتماعي المطلوب والمدرسة الحديثة ".
ولا يشترط أن يمتهن الطالب فن المسرح في حياته المستقبلية فله الخيار فيما بعد، ولكنه يخلق أيضا جمهورا مستقبلياً يحمل ذائقة ثقافية سواء في المسرح أو التلفزيون أو حتى السينما، فلا ينساق أبناؤنا- الذين هم بطبيعة الحال جمهور المستقبل - إلى فنون هابطة تدمر البنية الاجتماعية فيما بعد. للمؤلف المسرحي المدرسي سمات لا بد أن تتوفر لديه، ومن أهمها الوعي التام بآليات هذا النوع من النشاط المسرحي ومدى تأثيره، ويجب أن يكون على علم بذلك الفرق الكبير بين مسرح الطفل المعتمد على الأقنعة والدمى والأساطير وغير ذلك، وبين مسرح مدرسي يكوِّن فهما ووعيا ثقافيا وتاريخيا وعلميا وتربويا وكل أنواع التحصيل المدرسي الهام. ولا ينسحب ذلك الوعي على المؤلف المسرحي فحسب، وإنما ينصب أيضا على جل الموظفين المدرسيين من مشرفين ومحللين وأعضاء هيئة الإدارة وأصدقاء المدرسة. ومن هنا ظهر في بعض البلاد العربية، ومنها مصر، ما يسمى بـ"مسرحة المناهج"، حيث يتم تناول النهج المقرر على الطالب وتقديمه في قالب مسرحي، لأن الدراسات والأبحاث قد أثبتت أن التحصيل عن طريق المتعة يكون أكبر بكثير عما يقدم بشكل مباشر، كما أكد خبراء علم النفس وآلية التلقي أن التلقي عن طريق الإثارة والمتعة والتشويق يجعل الطالب أكثر تحصيلا وأوسع خيالا وأشد انتباها. ومن هنا كانت مسرحة المناهج من أنجح الطرق في مساعدة الطالب على الاستيعاب والتحصيل، فللمتعة شأن كبير في آلية التلقي سواء كان مسرحا مدرسيا أو مسرحا تقليديا، لأن المتلقي يكون في حالة تلبية واستجابة، وهو ما أكدت عليه نظريتي في التلقي والمسرح (البعد الخامس).
وبذلك لابد أن ندرك مدى أهمية المسرح المدرسي سواء كان ذلك على مستوى التنشئة أو على مستوى التحصيل، إلا أننا نرى إهمالا وترهلا يصل إلى حد الإقصاء للمسرح المدرسي الذي كان مزدهرا في مدارسنا، وأنا من خريجي هذا المسرح، ومثلي كثير ممن أيقظ فيهم هذا النوع من المسرح قريحة الخيال وسعة الأفق ومدارك الإبداع. فلماذا هذا التراجع في بنية المسرح المدرسي؟ ولماذا نتجاهله وهو أكثر أهمية من أي نوع من أنواع المسرح، وخاصة في يومنا هذا الذي يواجه فيه أبناؤنا كثيرا من التحديات في بناء الشخصية العربية وهويتها؟