كثيرا ما نسمع عن انتشار الإسلام على مستوى العالم، فتبهجنا هذه المعلومة، وتأخذنا النشوة بحكم انتمائنا لهذا الدين، وفرحتنا لمن منّ الله عليه بما منّ به علينا. جميل أن تنتمي لعقيدة تنتشر بذاتها على الرغم من أن كثيرا من المعطيات حولنا من الممكن أن تثير مليون سؤال لدى المتلقي قبل أن يأخذ قراره النهائي بالانتماء إليها.

فنحن المسلمين على امتداد الخريطة وحيثما كنا، نجد هناك ما يدور حولنا من مصائب وكوارث، فها هي سورية، وبورما، وباكستان، وأفغانستان، وبنجلاديش، وأفريقيا المسلمة، حتى كأن الشاعر قد كتب أصدق بيت في وصف حالنا حين قال:

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد كان كالطير مقصوصا جناحاه

لكن في ثنايا هذه النظرة السوداوية، وطيات هذه المحن، هنالك علامات ودلالات رقمية لا بد أن نضعها بعين الاعتبار، لنرى كيف نأخذ هذا الوضع الحالي إلى سياقه الصحيح، ونحيل محنتنا إلى منح وعطاءات.

في عام 2008 أعلن الفاتيكان أن عدد المسلمين تجاوز عدد المسيحيين الكاثوليك في العالم، حيث إن نسبة المسلمين من سكان العالم هي 19? بينما نسبة الكاثوليك 17? (لكن نسبة المسيحيين من كل الطوائف 33? من سكان العالم). وفقا لأطلس جغرافيا الديانة المسيحية، فإن عدد المسلمين قفز في عام 2010 إلى 23.4? من نسبة السكان، وهو ما قلص الفارق بين الديانتين بشكل كبير، ويتوقع أن تصل النسبة إلى 30? تقريبا بحلول عام 2030، مما يعني تساوي الديانتين في العدد تقريبا.

تتوقع التقارير أن يتضاعف عدد المسلمين خلال العقدين القادمين في الولايات المتحدة الأميركية إلى أكثر من الضعف، بحيث يصل إلى 6.2 مليون مسلم مقارنة بـ2.6 ملايين مسلم في عام 2010. هذا يعني أن أميركا ستحل ثالثا بعد فرنسا وروسيا في عدد المسلمين في الدول الغربية. تقول التقارير: إن عدد المسلمين خلال العقدين القادمين سيزيد في أوروبا من 44 مليون نسمة إلى 58.2 مليون نسمة، ومن 6? حاليا إلى 8? بعد عقدين.

أما من حيث التوزيع الديموجرافي لعدد المسلمين في العالم، فهناك ثلاث دول عربية فقط هي: مصر والجزائر والمغرب، ضمن قائمة الدول العشر ذات العدد الأكبر من المسلمين في العالم، والتي تتصدرها حاليا إندونيسيا بـ220 مليون تقريبا، بينما يتوقع أن تحتل باكستان الصدارة خلال العقدين القادمين.

أما من حيث اللغة، فبينما نظن أن الغالبية هي من العرب أو من يتحدثون اللغة العربية، فالصحيح أن الأوردو هي الغالبية من المسلمين، إذا جمعنا الهند وباكستان وبنجلاديش فقط، كما يجب ألا نغفل دور الإنجليزية باعتبارها لغة ثانية لنسبة كبيرة من المسلمين باللغات المختلفة، مما يجعلها العامل المشترك الأكبر في اللغات التي يتحدث بها المسلمون.

ماذا تعني هذه الأرقام المتحفظة؟

إنها تعني الكثير في شتى الأبعاد، من حيث موازين القوى الاقتصادية والسياسية الحزبية على مستوى العالم، ولكنها أيضا تعني أننا لا بد أن نعلم أنه يجب من الآن أن نعمل على مواكبة هذه الزيادات في عدد السكان المسلمين، وهذه التغيرات في ديموجرافية الأديان على مستوى العالم من حيث الخدمات والمنتجات التي سيزيد الطلب عليها لتلبية حاجات ورغبات الجاليات الإسلامية على مستوى العالم.

من ناحية السلع الاستهلاكية مثلا، سيكون الإقبال أكبر على اللحم الحلال في الدول الأوروبية، وكذلك سيكون الحال على الملابس النسائية المتوافقة مع أحكام الحشمة والحجاب. سنجد إقبالا أكبر على آليات التمويل الإسلامي للمساكن، وسيكون هناك إقبال أكبر على آليات التأمين المتوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية، وستواجه الجهات القضائية والجهات التشريعية عددا أكبر من المطالبات بقوانين مدنية للأحوال الشخصية؛ لحل إشكاليات التوافق مع متطلبات الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بالفصل في قضايا المواريث والأسرة بشكل عام.

أما من الناحية الإعلامية، فإن هذه الأرقام تعني أن عدد الإصدارات والكتب التي تخاطب المسلمين على تباين لهجاتهم وثقافاتهم ومناهج تفكيرهم بما يجمعهم على كلمة سواء ويوحد اتجاهاتهم، لا بد أن يزيد، لتغطية النقص والفراغ الموجودين حاليا، ولتقليص حجم النزاع المتصور فيما بينهم لتباين المناهج والثقافات.

من الناحية الإعلامية أيضا، فإننا نحتاج لأن نراعي ثقافات ومناهج المتحدثين باللغات الأخرى من الجاليات الإسلامية ذات الكثافة العالية مثل الأوردو والإندونيسية والإنجليزية والفرنسية.

إن التخاطب مع هذه الثقافات والتحاور معها لا يكفي بشأنه الترجمة الحرفية دون مراعاة لفكرها وثقافتها، وهو ما يتطلب أن نقدم لها إنتاجا إعلاميا وفكريا أصيلا يوائمها ويحدثها بلغتها وتفكيرها، ولا بد أن يؤخذ بعين الاعتبار تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة يجمعها الإعلام بشكليه: التقليدي والحديث.

إنني آمل أن يأتي اليوم الذي أرى فيه منتجات إعلامية تتصدر شاشات هوليود، ومراكز الإنتاج في ديزني وبوليود، بحيث تعيننا على الاندماج مع المجتمعات، وتزيل العوائق والحواجز فيما بيننا وبينهم. هذه الأرقام تعني أننا لا بد أن نضع منذ الآن مسارا فكريا يقودنا ويقود العالم؛ للتعايش مع بعضنا البعض، كي نتلافى أن تأتي مرحلة يكون فيها حجم الخلاف فيما بيننا نحن المسلمين أكبر مما هو عليه الآن، وبالتالي يكون الخلاف بيننا وبين الآخر أكبر مما هو عليه الآن. إنها فرصة سانحة لنا الآن أن نبدل النظرة السوداوية التي بدأت بها المقال إلى نظرة مستقبلية أجمل، توافق قوله تعالى: "وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".