-1-

ليست الأسباب السياسية وحدها – كما تظن الدهماء – هي العائق أمام تقدم الاستحقاقات الديموقراطية في العالم العربي، بل تكاد الأسباب الاجتماعية تكون هي العائق الرئيسي في تأخر وصول الاستحقاقات الديموقراطية إلى العالم العربي. وبذا، أصبح العالم العربي الآن أكثر بلدان العالم تخلفاً في التطبيق الديموقراطي، في القرن الحادي والعشرين.

أما العوائق العربية العامة، أمام الاستحقاقات الديموقراطية العربية، فتعود إلى عدم احترام قيمة الإنسان العربي، وإلى تخلّف الفرد العربي، وإلى عدم إمكانية الإصلاح الاجتماعي باتباع الطرق الديموقراطية، وإلى غياب التعليم، وغياب المؤسسات الدستورية، واستمرار الصراعات الطائفية والقبلية والدينية، وإلى اختفاء قوة الطبقة الوسطى التي تقود دائماً حركات الإصلاح، وإلى عدم تزامن التطور الاجتماعي مع التطور الاقتصادي، وإلى تأصيل الروح الطائفية والعشائرية بين الأحزاب السياسية، وإلى انتشار التخلف الحضاري في المجتمع العربي، وإلى حصار الإنسان العربي في ثالوث متكلِّس، وإلى غياب السياسة من فكر العامة.

-2-

ولكن الفكر السياسي العربي المعاصر، يُصرُّ في بعض جوانبه على القول، بأن العوامل الخارجية المتمثلة بالاستعمار الغربي القديم، والاستعمار الأميركي الجديد، هي من يجب أن تعتبر العوائق في طريق تحقيق الديموقراطية العربية. في حين أننا نعتقد، أن الأسباب الاجتماعية العربية، هي الأسباب الأساسية التي تحول دون تحقيق أدنى حد من الاستحقاقات الديموقراطية في العالم العربي. كما أننا نعتقد، أن عيبنا في أنفسنا وليس كله في الآخرين. وأن دودنا مِن خَلِّنا، وليس كله مِن خَلِّ الآخرين.

-3-

هذا تحليل للخَلِّ العربي - يحتمل الصواب والخطأ - ولدود الديموقراطية النابع من الخَلِّ الاجتماعي العربي، الذي نعتبره – صواباً أو خطأً- هو الأساس في إعاقة الديموقراطية العربية:

1- يطرح بعض المفكرين العرب السؤال، عن إمكانية تحقيق الإصلاح الاجتماعي باتباع الطرق الديموقراطية. ويستدركون، بأن تجربة العرب الديموقراطية البرلمانية لفترة قصيرة نسبياً، أقنعتهم بأن هذا النظام فاشل تماماً. ولكن التجارب البرلمانية في العالم العربي، ذات العمر القصير جداً، لا تصلح للحكم على فشل أو نجاح الديموقراطية الليبرالية، فيما لو علمنا أن أوروبا – مثلاً- قضت زمناً طويلاً مع هذه التجارب، حتى استطاعت أن تُرسي القاعدة الديموقراطية الحقَّة. وأن الحكم على هذه التجارب بالفشل، جاء من قبل الأنظمة السياسية العربية التي لا تريد الديموقراطية، ولا تريد تجاربها في الأساس، وتضع كل العقبات في طريقها، إضافة إلى العقبات الذاتية الموجود أساساً في الأمة العربية، كالجهل، والتخلف، والأمية، والفقر، وسيطرة المعتقدات الخاطئة.

وعلينا أن نعلم، "أن النظام الديموقراطي الناجح يتطلب وجود جمهور متعلم، وأحزاب سياسية منظمة، وقيادة نيّرة. فقد كان الهدف الرئيسي للنظم الدستورية التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى بلوغ الاستقلال، وقد تحقق ذلك"، كما يرى الأكاديمي العراقي/الأميركي مجيد خدوري في كتابه "الأحزاب السياسية في العالم العربي"، ص 267.

2- ضعف الطبقة الوسطى في المجتمع العربي، المُعوّل عليها قيام الإصلاح في كافة مجالات الحياة، وذلك بسبب أن المجتمع العربي ما زال مجتمعاً قبلياً في معظم قيمه الاجتماعية، والسياسية، والأخلاقية. وساعد على عدم التكوين الطبقي في المجتمع العربي، تقاسم كل أفراد المجتمع القيم العقلية التقليدية نفسها. وإذا كان من الممكن تقويم التطور الديموقراطي في المجتمع العربي، فيمكن القول، بأنه متوقف على نجاح وجود قوة الطبقة الوسطى، ووعيها لظرفها التاريخي.

3- عدم تزامن التطور الاجتماعي مع التطور الاقتصادي، في أنحاء كثيرة من العالم العربي، مما نتج عنه، مقاومة اجتماعية للتطور الديموقراطي، كما يقول الباحث والأكاديمي المصري محمود عبد الفضيل في كتابه "التشكيلات الاجتماعية والتكوينات الطبقية في الوطن العربي"، ص 221. ولكن حتى التطور الظاهر لم يُصب الناحية الاجتماعية. وظل المجتمع يقاوم أي تطور ديموقراطي، كان آخره عُسر إقرار حق الانتخاب والترشيح للمرأة الكويتية، واعتبار إقرار هذا القانون بمثابة "يوم أسود" في تاريخ الكويت، كما قال نائب أصولي كويتي، كان ينوي تقديم اقتراح بأن تجلس النائبات من النساء مستقبلاً، في مجلس الأمة الكويتي، في الصفوف الخلفية!

4- وجود الروح الطائفية والعشائرية المتأصلة، في معظم الأحزاب السياسية المتواجدة على الساحة العربية، رغم أسماء هذه الأحزاب التي تدلُّ على الحداثة والمعاصرة، ووجود طابع الزعامة والطاعة العمياء لها. فكما أن العشيرة بشيخها، فالحزب بزعيمه. إذا أقبل أقبل معه الحزب، وإذا أدبر أدبر معه الحزب أيضاً. والزعيم في حزبه، أكثر ديكتاتورية من السلطان. فزعماء هذه الأحزاب، اليمينية واليسارية، التقدمية والرجعية، هم عبارة عن زعماء لا يُسألون عما يفعلون.

5- إن الديموقراطية لا تُشكِّل ضمانة أكيدة لانتقال السلطة وتوزيعها، على وجه أفضل في المجتمعات الفتية، التي تعيش تحولاً اجتماعياً مستمراً، وتخضع لضغوط قوية على جميع الصُعد، ومن جميع الجهات. فكل نظام ديموقراطي، هو ثمرة توازن بين قوى اجتماعية، كما يقول المفكر السوري/الفرنسي برهان غليون في كتابه "المسألة الديموقراطية والاستراتيجية الدولية"، ص103.

6- لقد واكب المد الديموقراطي، الذي أخذ يجتاح بعض أجزاء من العالم العربي في هذه الأيام، والدفاع عن حقوق الإنسان، الذي أصبح حديث الكثيرين في الفضاء العربي، وشعارات التعددية، التي تملأ أرجاء الوطن العربي، فوضى عارمة، كما شاهدنا في عدة بلدان عربية. فمقابل الأحادية الحزبية، ووحدة اللغة، وأحادية الرأي نُودي بكثرة الأحزاب، وتعدد الآراء، وكثرة اللغات. إلا أن المثير للاهتمام، أن معظم الحركات التي قامت لتُرسي التعددية، وتؤسس للديموقراطية، وتفتح الأبواب للتحرر، غالباً ما انتهت إلى بث الفوضى والرعب، ونشر البلبلة في أنحاء كثيرة من العالم العربي، نتيجة لعدم الوعي الاجتماعي، وسيطرة الدهماء على الشارع العربي.

وبعد، فهل العيب فينا، أم في الآخرين؟!