محمد مشكور - العراق


كان أبي يعمل مدرساً للرياضيات، وقد خرج من العراق منذ بدايات حكم صدام باحثاً عن أول بلد يوفر له وظيفة في اختصاصه، فكان المغرب أول بلد يتوظف فيه، ثم مر أبي بعدها بأغلب الدول العربية، وأقام في عدد غير قليل منها، وهو ما انعكس على حياتنا أيضاً، فأقمنا في سورية، وليبيا، والجزائر التي احتضنت ولادتي، قبل أن نعود إلى العراق في صيف عام 2003 بعد سقوط النظام الدكتاتوري.

وفي مختلف تلك الدول عانيت في المدارس الحكومية التي ارتدتها من الإهانة والضرب، ضربت بالعصي على يدي، وبالصفع على خدي، وأحياناً كثيرة بالإهانة والانتقاص، كانت العصا لا تفارق يد الكثير من الأساتذة، كنت "شاطراً" لكن على الرغم من ذلك لم أكن أسلم من الضرب، فضلاً عن الضرب كانت هناك غرفة تسمى غرفة الفئران، يأخذون إليها المشاكس منا، ويغلقون عليه الباب، هي كالسجن لمن يخالف مخالفة كبيرة من وجهة نظر الأستاذ، لم أدخل فيها يوماً، لكن أصدقائي الصغار من الذين شاء سوء حظهم أن يحبسوا فيها قالوا لي إنها كانت مليئة بالفئران.

آخر ما ذكرني بمعاناتي هو وثائقي عرضته قناة BBC عن إهانة وتعذيب المعاقين في مراكز ومدارس أردنية، معاقون يضربون بالعصي، وآخرون يسجنون في أقفاص حديدية، وآخرون تداس رؤوسهم، بل إن أحد المراكز كان قد شهد وفاة اثنين من هؤلاء المساكين، أو لنقل كان قد شهد جريمتين بشعتين ارتكبتا بكل وحشية وبرودة دم، هذا الوثائقي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأردنية أدى إلى تشكيل لجنة للكشف عن المراكز والمدارس، وقامت هذه اللجنة بعد 14 يوماً بغلق مركزين فقط، لم يكن المركز الذي شهد الجريمتين أحدهما، وهو ما أوضحه أحد الآباء الذي تعرض ابنه للتعذيب في قناة BBC.

المسألة ببشاعة صورتها وثقل إحساسها ليست محصورة في تعذيب الأطفال من المعاقين، بل هي تتعدى ذلك إلى مدارس الأطفال العاديين غير المعاقين، وهو ما خبرته منذ طفولتي وحتى الوقت الراهن (كما ينقل لي أخي الصغير من مدرسته)، إن التعذيب مستمر.

قبل مدة نشر فيديو على اليوتيوب لطفل عراقي يبكي وهو يعذب في غرفة المدير ويضرب ويهان، بعدها قامت قناة العربية وفي برنامج من العراق بتغطية الحادث بتقرير استضافت فيه المدير الذي كان يضرب الطفل، المضحك أن المدير قال إنه كان يمازح ابن اخته (الطفل) بالجلد والضرب والإهانة! وهو كما يبدو أراد بقوله "ابن اختي" أن يبرر بشاعة ضربه للطفل وانتهاكه لحقوقه، ولعلي أتساءل هنا: إذا كان هذا المدير يمازح الأطفال بالجلد والركل، فكيف وهو يمازح الكبار؟

السبب في التعذيب الحاصل في المدارس هم آباؤنا والأفكار التي يحملونها، فهم مؤيدون للضرب، ويرون فيه طريقة للتأديب، وهذا يعود لكونهم قد جاؤوا من حقبة المدرسة الشعبية أو ما يعرف بـ"الكتاتيب" حيث كان الأستاذ يعلم بالعصي والشتائم، وبذا هم أسسوا للضرب ومهدوا له وشرعوا لآلامه، إن آباءنا قد أورثونا الكثير من السلوكيات الضارة ولا بأس من الاعتراف بذلك، فهذا الفيلسوف علي حرب وفي كتابه الأحدث "ثورات القوة الناعمة في العالم العربي" يقول : "لنعترف بفشلنا وإفلاسنا، وبأن جيلنا قد أورث الأجيال الجديدة كل هذا التردي والتراجع".

في الكثير من مدارسنا يبدأ الجحيم الأول، يتعلم الأطفال فيها الصمت، والخوف، وعدم المبادرة، ويتوقفون عن التفكير في كل ما يعد شاذاً عن المادة الدراسية، يتعلمون أن الأدب يعني الجلوس من غير حركة قد لا تعجب "الكبير"، وهكذا يكبرون. جرب أجدادنا الضرب كوسيلة للتأديب فجاءت أزمانهم مليئة بالفشل والخوف والدكتاتورية، ولا يمكن أن نعيد الكرة بأن ننشأ وننمي ثقافة الخوف والصمت والتعذيب، لا يمكن أن ندع المرضى نفسيا يفرغون أمراضهم وعقدهم النفسية في أطفالنا بحجة التأديب، في الأردن وفي العراق وفي دول عربية كثيرة ما يزال تعذيب الأطفال مستمراً، وهو لن يتوقف إلا إذا قاومنا أسسه الفكرية، وأولها الفكرة القائلة بصلاحية الضرب كوسيلة للتأديب، التي ورثناها عن آبائنا، نحن نعيش في عصر وصل فيه الإنسان إلى نضج فكري، وآن لنا استثمار هذا النضج، ومنه أن للإنسان حقوقا، وللطفل حقوقا أهم وأعقد، وهي أكثر حساسية، ولا بد من صيانتها وتفعيلها والمحافظة عليها، كي لا يعاني طفل آخر بقفص حديدي أو عصا أو غرفة فئران.